بين النقمة الشعبية ومعضلة الحرب: ترامب يريد «هرمز»... و«الجمهوريون» مُحبَطون

ارتفاع أسعار الوقود يضع ترامب والجمهوريين أمام كلفة داخلية متصاعدة لحرب إيران، فيما تكشف أزمة هرمز عجز واشنطن عن إنهاء المواجهة أو ضبط تداعياتها.

ريم هاني
ريم هاني
السبت 11 تموز 2026
يخشى «الجمهوريون» تبعات حرب يعارضها معظم الناخبين (من الويب)
يخشى «الجمهوريون» تبعات حرب يعارضها معظم الناخبين (من الويب)
الخط


عاودت أسعار الوقود، في الداخل الأميركي، الارتفاع مُجدّداً، في ظلّ عدم اليقين المحيط بمستقبل وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. وقفز المعدّل الوطني لغالون البنزين العادي بمقدار 5 سنتات بين ليلة وضحاها، ليصل إلى 3.84 دولارات، علماً أنه كان يشهد هبوطاً مستمراً منذ أواخر أيار. وفي حين تستقرّ أسعار النفط الخام حالياً عند نطاق 70 دولاراً للبرميل، إلّا أنها تظلّ مُرشّحة للارتفاع إذا ما استمرّت حالة عدم الاستقرار في مضيق هرمز، وذلك بحسب «الرابطة الأميركية للسيارات». وتنذر هذه الأرقام بأن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الأربعاء، أن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران قد «انتهى»، وضَعه هو وإدارته في مأزق بات مألوفاً؛ أي إعادة الغرق في حرب غير شعبية يبدو أنه عاجز عن إنهائها، على بعد أقلّ من أربعة أشهر من انتخابات التجديد النصفي.

وبحسب صحيفة «واشنطن بوست»، تبنّى «الجمهوريون»، مع توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكّرة تفاهم الشهر الماضي لإنهاء الحرب، تفاؤلاً حذراً، في وقت كان فيه قادة الحزب يحذّرون البيت الأبيض من أن ارتفاع أسعار الوقود قد يكلّفهم الكثير في الانتخابات المُقرّرة في تشرين الثاني. أمّا الآن، ومع مشارفة الاتفاق على الانهيار، فيخشى «الجمهوريون» تبعات حرب يعارضها معظم الناخبين، ويبدون هم، من جهة، عاجزين عن إنهائها، ومن جهة أخرى، غير مستعدّين للانفصال عن الرئيس الذي بدأها. وفي هذا الإطار، تنقل الصحيفة عن سارة تشامبرلين، رئيسة «شراكة مين ستريت الجمهورية» التي تدعم المشرّعين «الجمهوريين» في الدوائر الانتخابية التي تشهد منافسة قوية، قولها إن استمرار الحرب يمثّل «صداعاً حقيقياً» للمرشّحين المطروحة أسماؤهم في أوراق الاقتراع، مشيرةً إلى أن «الناخبين الجمهوريين تحمّلوا ارتفاع أسعار الوقود لبضعة أشهر دعماً لترامب، لكنّ موسم القيادة الصيفي قد حلّ الآن، ولا يبدو أن هناك أيّ انفراجة تلوح في الأفق». وأضافت: «الأمر برمّته يتعلّق بتكلفة المعيشة بالنسبة إلى المنتخِبين، وإذا عادت أسعار الوقود والسلع الغذائية إلى الارتفاع، فستكون هذه مشكلة حقيقية».

من جانبه، دافع البيت الأبيض، الأربعاء، عن إجراءات ترامب، معتبراً أن الرئيس كان محقاً في العمل على منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وقالت المتحدّثة باسم البيت الأبيض، أوليفيا ويلز، في بيان لها: «الرئيس ترامب لا يتخذ هذه القرارات بناءً على استطلاعات الرأي المتقلّبة، بل بناءً على المصالح الفضلى للشعب الأميركي». على أن الحرب وتبعاتها لا تزال، طبقاً لـ«واشنطن بوست»، تشكّل عبئاً حقيقياً على ترامب، في وقت تعارض فيه غالبية الأميركيين أسلوب تعامله مع هذا الصراع، وذلك وفقاً لعدة استطلاعات رأي وطنية نُشرت أخيراً. ومن بين تلك الاستطلاعات، واحد أجرته شبكة «فوكس نيوز»، في منتصف حزيران، أظهر أن 58% من الناخبين المُسجّلين يرون أن الولايات المتحدة اتّخذت القرار الخاطئ بشنّ عمل عسكري ضدّ إيران في شباط، بينما رأى 41% منهم أن البلاد اتّخذت القرار الصحيح. ووفقاً للاستطلاع نفسه، شدّد 87% من المشاركين على أهمية تجنب صراع عسكري مطوّل، وهو ما اعتبره 59% أمراً «في غاية الأهمية».

استغلّ «الديمقراطيون» الأحداث الأخيرة لتجديد دعواتهم إلى تمرير قرار «صلاحيات الحرب»


مع ذلك، لزِم المشرعون «الجمهوريون» الصمت إلى حدّ كبير بشأن خطوة ترامب الأخيرة؛ علماً أنهم منذ اندلاع الحرب، يواجهون صعوبة في الموازنة بين دعمهم للرئيس واستياء ناخبيهم. أمّا على الضفة المقابلة، فاستغلّ «الديمقراطيون» تجدّد التوترات لتكرار دعواتهم إلى تمرير قرار «صلاحيات الحرب» الذي يأمر ترامب بإنهاء الأعمال العدائية مع إيران. وعلى الرغم من تنامي المخاوف من تهديدات ترامب المُجترّة، يستبعد عدد من المراقبين أن يكون الأخير مستعداً للتصعيد إلى حدّ التسبب بالعودة إلى الحرب الشاملة؛ إذ إن استئناف العمليات العسكرية الواسعة النطاق، قبيل انتخابات التجديد النصفي، ومن دون أيّ ضمانات بتغيير السلوك الإيراني، «لا يمكن اعتباره بديلاً جذّاباً في أيّ حال من الأحوال». لكن وفقاً لتقرير نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» الأميركية، فإنه بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يحمل غضّ الطرف عن استمرار الهجمات الإيرانية على السفن في مضيق هرمز مجازفة بإرسال إشارة مفادها أن طهران لا تزال تملك اليد العليا في أحد أكثر الممرّات المائية استراتيجية في العالم. ومن هنا، حاولت إدارة ترامب، الأسبوع الجاري، «مسك العصا من المنتصف»، مستخدمةً الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المُسيّرة لفتح المضيق، إنّما من دون إشعال فتيل صراع أوسع نطاقاً.

على أن مذكّرة التفاهم التي قدّمت لإيران حوافز مالية واسعة النطاق من خلال تخفيف العقوبات عنها، وإتاحة إمكانية الوصول إلى الأموال المُجمّدة أمامها، لم تُترجَم إلى مكاسب حقيقية وكاملة، في حين تَنظر طهران إلى الاتفاق الأخير بين إسرائيل والسلطة اللبنانية، والذي تمّ بوساطة أميركية، على أنه «التفاف على المذكّرة التي وعدت أيضاً بوقف إطلاق النار في لبنان بين إسرائيل وحزب الله». ومن شأن هذه العوامل أن تجعل إيران، بحسب المصدر نفسه، أكثر تصميماً من ما كانت في أيّ وقت مضى على الاحتفاظ بسيطرتها على المضيق؛ وعلى الرغم من أنها قد لا تسعى إلى استئناف صراع شامل، فإنها قد تجد هذا الاحتمال أفضل من التنازل عن ورقة «هرمز» وخسارة الرسوم التي تسعى لفرضها هناك. وفي هذا السياق، تنقل المجلة نفسها عن ولي نصر، أستاذ الشؤون الدولية ودراسات الشرق الأوسط في «كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدّمة»، قوله إن إيران «ترى أن الولايات المتحدة تحاول تشجيع حركة الملاحة عبر المضيق لانتزاع أوراق الضغط الإيرانية عليه، بشكل لا يبقي لطهران ما تتفاوض بشأنه»، مضيفاً أن «إيران هاجمت بأجندة واضحة، فردّ ترامب بقوة، والنتيجة هي أننا قد نجد أنفسنا نسير في نومنا نحو الحرب من جديد».

وكان تملَّك الإحباطُ ترامب بسبب عجزه عن إنهاء المعضلة الإيرانية؛ وهو اشتكى بمرارة إلى مستشاريه من التغطية الإعلامية التي تصوّر مذكّرة التفاهم على أنها هزيمة، ولا سيما عند مقارنتها بشكل سلبي بالاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمه الرئيس الأسبق، باراك أوباما، قبل عقد من الزمن. كذلك، تلقّت إدارته «رسائل قلق» من دول الخليج التي تخشى بشدّة من خطّة إيران لفرض سيطرة دائمة على مضيق هرمز، من خلال نوع من الرسوم. وبحسب دبلوماسي في المنطقة، فإن إجبار هذه الدول على ملء الخزائن الإيرانية لاستخدام ممرّ مائي كان مجانياً للجميع قبل الحرب، هو أمر «غير مقبول بتاتاً»، طبقاً لـ«ذي أتلانتيك». على أن ما تَقدّم لا يعني، بالضرورة، أن العودة إلى الأعمال العدائية الشاملة باتت وشيكة؛ إذ يشير أحد مساعدي البيت الأبيض إلى أن ترامب يلمّح إلى أن المفاوضات تستمر حتى في الوقت الذي يهدّد فيه بمزيد من القصف، في حين يعتبر الجنرال المتقاعد في الجيش، جوزيف فوتيل، الذي قاد القيادة المركزية الأميركية المسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، في حديث إلى المجلة نفسها، أنه يمكن وصف الخيار العسكري الأميركي بـ«التصعيد المدروس»، الذي «يستهدف تقويض قدرة إيران على التأثير في مضيق هرمز».