في سياق الحرب الإعلامية والنفسية التي تُشن على «حزب الله» منذ ظهور فعاليته كحركة مقاومة في مواجهة المشاريع الاستعمارية الغربية والصهيونية، من المشروع الأميركي، وأدواته الوظيفية في المنطقة، الصهيونية منها والخليجية، اعتمدت هذه الحرب على سرديات للنيل من صورته باختزالها إلى أداة في يد «المشروع الإيراني» (لم يكن يُذكر اسم حزب الله في الإعلام العالمي، وأغلب العربي، في الثمانينيات وحتى بداية التسعينيات، إلا مقروناً بعبارة «المُوالي لإيران»)، أو لحركة متعصبة دينياً، لا همّ لها سوى التضييق على حريات الأفراد الاجتماعية، أو إلى مجموعة من الأصوليين المجانين (مجانين الله كما كان يحلو للإعلام الفرنسي نعتهم).


إلا أنّ أبرز هذه السرديات التي عملت عليها مراكز إدارة الصراع الفكري، هو تصوير حزب الله كحزب يُحرّكه عقل طائفي، يقوده إلى أداء سياسي في لبنان والمنطقة، وفق ما تقتضيه مصلحة طائفته بالدرجة الأولى. اعتمدت هذه السردية للتأثير في الوعي، في مواقف الحزب من أحداث معينة داخل الدائرة اللبنانية، أو في المشرق، تجلّت بصورة واضحة في حرب احتلال العراق، لتصل ذروتها مع دخول الحزب إلى سوريا، كطرف فاعل في مواجهة المشروع التكفيري.
كانت الساحة العراقية، منذ البداية، مسرحاً لسردية تضليلية رسّخها الإعلام الخليجي، وكرّس لها «جيشاً» من الإعلاميين و»المثقفين» من التيار المعادي للمقاومة (سقط في فخها أيضاً البعض من مؤيدي المقاومة) قوامها شيعة مع الاحتلال، يقف معهم «حزب الله»، أو في الحد الأدنى يُهادنهم من باب «التضامن الطائفي»، ومقاومة سنية يعاديها لنفس الأسباب.
نسف أسس هذه السردية يتطلب منا أن ننطلق من توصيف للعقل الطائفي المتحكّم غالباً في كلّ «جماعة طائفية»، فهو عقل انطوائي، لا يحلل الواقع إلا ضمن حدود طائفته، ووفق خطاب غرائزي، هاجسه الرئيس هو تكريس «وعي جمعي» بالهوية الجزئية، بعيد من المنطق والمعرفة، فيتشكل سلوك قطيعي، يجسّد الطاعة المطلقة لزعيم الطائفة بوصفه الأقدر على حماية مصالحها، وهذا ما يتناقض بُنيوياً مع الخطاب السياسي والفكري لـ»حزب الله» الذي نقرأه من خلال أدبياته (الرسالة المفتوحة 1985، الوثيقة السياسية 2009)، أو من خلال خطابات قادته، وبالخصوص السيد حسن نصر الله، فلم يُسجّل على هذا الحزب أي نزوع نحو الخطاب الطائفي، بكل ما يعنيه من استعمال للمفردات الطائفية التحقيرية لوصف «الآخر» (خصومه، وأعداءه)، أو من خلال التعبير عن نفسه، فـالـ»نحن» في خطاب الحزب ليست تعبيراً عن هوية جزئية، وإنّما بلغ من التطوّر، في مساره الفكري والسياسي، إلى ضمّ كلّ المعادين للهيمنة والاستعمار إليها، وفق مفاهيم «الاستضعاف» و»الاستكبار» التي شكلت منذ البداية أسساً ناظمة لبنيته المعرفية، وليست عبارة «نحن شيعة علي لن نترك فلسطين» التي وردت في خطاب يوم القدس، في 2013، على لسان السيد حسن نصر الله، استثناءً، ذلك أن مضمونها بالأصل جاء ليكرس ربط البيئة الحاضنة للحزب بالمشروع الأكبر، الذي يتجاوز «أهداف» أي هوية ضيقة من جهة، ولمواجهة ما تحاوله نفس الدوائر التي تروّج لسردية «طائفية الحزب» من اختراقات - قد تكون مدعومة من جهات استخبارية غربية - لجذب البيئة الشعبية للحزب نحو مسار آخر (تيار معروف في لندن، يُنظّر لإسقاط القدسية عن القدس في التراث الشيعي، ولعدم أولوية الصراع مع إسرائيل).
من هنا جاءت مقاربة «حزب الله» لحدث تاريخي بحجم احتلال بلد مهم في المشرق كالعراق، منطلقة من تأثير حدث كهذا على فلسطين، كقضية محورية، وعلى الأمّة ككل، فالسيد نصر الله، وفي ذروة التحضيرات لاحتلال العراق، عبّر عن معرفة دقيقة بماهية المشروع الأميركي، ودعا إلى رفضه ومقاومته، بل وطرح، في شباط 2003، أي قبل أسابيع من وقوع الحرب، (لمناسبة الذكرى 24 لقيام الثورة في إيران) مشروعاً لمصالحة وطنية لسحب الذريعة من يد المشروع الأميركي، أسماه «طائف عراقي».
نوّه السيد، في خطابه آنذاك، أنه «لا يتحدث بحسابات طائفية، ولا بحسابات حزبية... أنا أتحدّث عن أمة، ومصير أمة»، ولم يفته أن ينبّه أنه «لا يوصي العراقيين بنظام طائفي على الطريقة اللبنانية»، وإنما «عن مصالحة عراقية حقيقية، تنقذ شعب العراق ومقدرات العراق، ومن ورائه الأمّة بكاملها»، لم يكن هذا الموقف شكلاً من «رفع العتب» بل جسّده باتصالات مع المعنيين، وفق ما شرح السيد بعد ذلك. حضور مصطلح «الأمة» في حديثه عن أخطار احتلال العراق يُبيّن مدى وعيه، الذي يعطي الأولوية للمصالح الكبرى، وللهوية الجامعة، مقابل تهافت أصحاب المقاربة الطائفية، الذين يرون في مثل هذا الخطاب تهديداً وجودياً لمشروعهم، الذي تقاطع، كأي مشروع طائفي، مع المشاريع الاستعمارية (وجّه بعضهم نقداً لاذعاً آنذاك للسيد).
هنا نُذكّر بأن النظام، الذي دعا السيد إلى المصالحة معه، كان معاد لـ»حزب الله» ليس من خلال شنّه حرباً شرسة على حليفته إيران فحسب، بل من خلال دعمه ميليشيات تعاونت مع إسرائيل في لبنان، وربّما لحق أذى هذا النظام بشخص السيد نفسه، وبعد فاجعة سقوط بغداد، وفي عيد التحرير، في 25 أيار 2003، يخطب بلا أيّ لبس: «وفي العراق لن يكون هناك خيار، ولا سبيل أمام الشعب العراقي، سوى خيار المقاومة... يمكنكم اليوم أن تسألوا الكثيرين ممن علقوا آمالاً على الإدارة الأميركية... أين هي الوعود، وأين هي
الآمال؟».
هل نحتاج إلى تذكير البعض بأن هناك ممّن علقوا الآمال من يقف على نفس «الأرضية العقائدية» التي لا يوليها «حزب الله» أيّ اعتبار عندما يتعلق الأمر بمواجهة المشاريع الاستعمارية؟
لقد كانت رؤية الحزب جلية من طبيعة المشروع الأميركي في المنطقة، قبل احتلال العراق وبعده، وأظهر وعياً بأبعاده، وكان رافضاً لمشاريع التقسيم، ولحلّ الجيش، وانحاز، منذ اليوم الأول، لخيار المقاومة المسلحة. هذا الانحياز أخذ مساراً تصاعدياً، من خطاب «مسيرة الأكفان» في 21 أيار 2004، إلى الانخراط غير المباشر في قتال الاحتلال، بنقل التجربة لبعض فصائل المقاومة، والذي لم تكن تخفى مؤشراته على أيّ متابع (خصوصاً مرحلة ما بعد حرب 2006، لغاية خروج المحتل في 2011) وصولاً إلى الإقرار العلني به، لأوّل مرة، في حوار السيد المنشور في (الأخبار ـ 15 آب 2014)، وكان موقفه من «العملية السياسية « حاسماً عندما وصل الأمر إلى «استحقاق الاتفاقية الأمنية»، ففي خطاب لمناسبة عيد التحرير، في 2008، قال: «قد أخذ مؤيدو العملية السياسية وقتهم، والآن وصلوا إلى الامتحان العسير... الموقف من الاتفاقيات التي تريد أميركا أن تفرضها على العراق وشعبه... وهنا يصبح المؤمنون بالعملية السياسية في العراق، سواء كانوا إسلاميين شيعة أو سنة، أم وطنيين، أم قوميين، أمام الامتحان، هل تسلمون العراق للأميركي إلى أبد الآبدين؟ أم تتخذون الموقف الذي يمليه عليكم دينكم وعروبتكم ووطنتيكم؟». بعد هذا الدور الفعّال لـ»حزب الله» في تحرير العراق يتبدّى لنا كم هي ضعيفة حجّة من يُسوّق لرسالة التعزية التي قدمها السيد بوفاة عبد العزيز الحكيم، كدليل لتدعيم سردية «طائفية حزب الله».
إن الحزب الذي دعا إلى مؤتمر تأسيسي في لبنان، من أجل بناء الدولة القوية والعادلة على أسس غير طائفية، ويخوض صراعاً مع المشروع التكفيري في سوريا، بكلّ ما يحمله من تهديد وجودي، لا يمكن أن يُحرّكه عقل طائفي، فالعقل الطائفي يتقاطع حتماً مع المشاريع الاستعمارية، التي لا ترى في شعوب المشرق سوى طوائف، وعصبيات لا ترقى لتشكيل أمم حديثة، ومع كونه ينطلق من بنية فكرية دينية، لم يسقط بالضرورة في فخ الفكر الطائفي، الذي حوّل حزباً «علمانياً» كان ينشد الوحدة والحرية والاشتراكية لملحق تافه لحركة تكفيرية إجرامية كـ»داعش».
* كاتب جزائري