رياض صوما *


في آخر قمّة شارك فيها مع قادة أوروبا منذ أيّام، أصرّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على متابعة نهج الاعتراض العلني على السياسات والممارسات الأميركية والأطلسية على الصعيدين العالمي والأوروبي، وركّز على مخاطر إقامة المواقع الأميركية المضادّة للصواريخ على الحدود الغربية لروسيا، في بولونيا وتشيكيا، وقارن بينه وبين نصب الصواريخ السوفياتية إبّان الحرب الباردة في كوبا، ملمّحاً ضمناً إلى أنّ النهج الأطلسي الراهن يعيد العالم إلى أجواء تلك الحقبة المتوتّرة.
قد تبدو مقارنة بوتين بين الحدثين مبالغاً فيها للوهلة الأولى، ولكن تحليلاً أولياً لأبعاد الخطوة الأميركية، المجازة أطلسياً، يظهر الجدية القصوى لطرح بوتين.
لقد نجا العالم من خطر الحرب النووية طوال النصف الثاني من القرن العشرين، على رغم الأزمات الحادة والحروب الإقليمية التي شهدها، بفضل ما عُرف آنذاك بالقدرة المؤكّدة على التدمير المتبادل.
وهذا ما يطيحه قرار بناء المواقع الصاروخية في أوروبا الشرقية اليوم، بحيث سيجعل الولايات المتحدة محصّنة إلى حدّ كبير من الضربة النووية الجوابية، ما يزيد من احتمال توجيهها الضربة الأولى. وكلّ كلام أميركي عن استهداف إيران حصراً بالنظام المضاد للصواريخ المشار إليه، مجرّد هراء.
فلو سلّمنا جدلاً بصحة هذا الادعاء، ما الذي يمنع من استخدام تلك الصواريخ المضادة لشلّ النظام الهجومي الروسي؟ ثم ما هي الضمانة، إذا رضخ الروس لما يعدّه الأميركيون في بولونيا وتشيكيا، ألا يعمد هؤلاء لاحقاً إلى مدّ النظام المزمَع إنشاؤه، ليشمل كل الحدود الروسية من فنلندا إلى فلاديفاستوك، تارة بحجّة حماية الأراضي الأميركية من الصواريخ الإيرانية، وطوراً بحجّة حمايتها من الصواريخ الكورية الشمالية، حتى لا نتحدّث عن الصواريخ الصينية أو الباكستانية؟... وما يعزّز جدية كلام بوتين، تهديدُ جورج بوش منذ أسبوعين تقريباً بأنّ الولايات المتحدة مستعدّة للذهاب إلى حرب عالمية ثالثة لمنع تحوّل إيران إلى قوة نووية.
إنّ قلق الروس من التصعيد المطّرد في عدوانية إدارة بوش، ردّاً على الصعوبات التي تواجهها، يفسّر تحذيرات بوتين الأخيرة، ويفسّر سلسلة المبادرات الكثيفة التي قام بها خلال الأشهر القليلة المنصرمة، وقد بدا خلالها حريصاً على الإسراع في رسم استراتيجية دفاعية شاملة تردّ بها روسيا على التصعيد الأميركي، قبل مغادرته الكرملين في الربيع المقبل.
ويكفي أن نستذكر بعض هذه المبادرات: قمّة دول معاهدة شانغهاي والمناورات العسكرية المشتركة التي رافقتها، وقمّة اتحاد الدول المستقلة وريثة الاتحاد السوفياتي، والقرارات المهمّة التي صدرت عنها وتركّزت على إعادة العلاقات في ما بينها إلى مستوى يقارب ما كانت عليه خلال العهد السوفياتي، وقمّة الدول المشاطئة لبحر قزوين، التي صدر عنها تعهّد لافت بعدم السماح لأية قوة باستخدام أراضي أيٍّ منها ضدّ الآخرين، والمقصود بالطبع القوة الأميركية، وقد اعتُبر هذا دعماً مباشراً لإيران، وزيارة بوتين لطهران التي عزّزت هذا الدعم إذ أعلن خلالها تعزيز العلاقات الروسية ـــــ الإيرانية على كلّ الأصعدة، بما فيها الصعيد النووي السلمي، وأكّد الجانب الروسي مضيه في استكمال بناء مفاعل بوشهر، مكرراً اطمئنانه الى سلمية المشروع النووي الإيراني، وتجديد إعلان الانسحاب من معاهدة الحدّ من القوّات التقليدية في أوروبا، واستئناف الطلعات الجوية الاستطلاعية البعيدة المدى، وأخيراً خطّة التسلّح الرفيع التقنية التي كشف النقاب عنها، والممتدّة إلى أواسط العقد المقبل، والمتضمّنة نظام صواريخ نووية عابرة للقارات على قواعد متحرّكة، أكثر تقدماً من نظام توبول ــــ إم الحالي، ونظام صواريخ متوسّطة المدى أكثر تطوراً من نظام إس.إس.20 الذي كان يعتبر قبل تدميره من أفضل الأنظمة العالمية في فئته، وطائرة مقاتلة معترضة جديدة توازي إن لم تتفوّق على مثيلاتها الأميركية، وغوّاصة نووية من طراز جديد أفضل من الغواصة «تايفون» التي كانت تقلق الأميركيّين والحلف الأطلسي في أواخر أيام الحرب الباردة.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: إلى أي حدّ سيلتزم خليفة بوتين وفريقه بهذه الخطّة التي تستكمل عودة روسيا الى موقع الصدارة في المشهد العالمي والقرار الدولي؟ فالغياب السوفياتي والروسي إثر الانهيار، لم يكن أساساً بفعل العجز التقني، بقدر ما كان ترجمة للخيارات السياسية والاستراتيجية الاستسلامية التي اعتمدها فريق يلتسين، وما ميز أداء بوتين، ومنحه احترام الشعب الروسي وشعوب العالم، سعيه لتصحيح النتائج الكارثية لتلك الخيارات، إذ استعادت روسيا ثقتها بنفسها وثقة الآخرين بها، ورجعت بسرعة قياسية إلى موقع الندية النسبية للأميركيين وبقية القوى الدولية الكبرى، مستفيدة من القدرات الموروثة من العهد السوفياتي، ومن ارتفاع أسعار النفط، ومن تحسّن ديناميتها الاقتصادية، وحماقات جورج بوش وطوني بلير وشركائهم، ولكنها، بالطبع، ما كانت لتنجح بغياب القرار السياسي والاستراتيجي الصائب والجريء.
فقد استلهم بوتين وفريقه، من دون توليفات أيديولوجية مبالغ بها، ما يناسب الوضع الروسي الراهن، من التجارب التاريخية الروسية والأوروبية. فعن بطرس الأكبر والتقاليد السياسية الروسية أخذوا مفهوماً للأمن القومي يجمع بين التفاعل مع القوى الغربية والاستعداد لصدّ ضغوطها، وخصوصاً أنّ كلّ الغزوات التي تعرّضت لها روسيا طوال القرون الأخيرة جاءت من الغرب. ومن لينين والمدرسة السوفياتية، حفظوا أهمية احتفاظ الدولة بإدارة القطاعات الاستراتيجية كقاطرة للنمو والتقدّم الاقتصادي داخلياً، والاستناد إلى تحالفات واسعة مع قوى الشرق، وحركات التحرّر الوطني، لموازنة قوى الغرب خارجياً. ومن بسمارك، تكتيك السعي لعزل وشلّ الخصم الرئيسي بدل خوض المواجهة المباشرة معه. وهذا يتوافق مع كفاءات بوتين الشخصية، والرياضية تحديداً. فالكلّ يعلم أن من المبادىء الأساسية للعبة الجودو، التي يتقنها بوتين، محاولة الانتصار بسرعة الحركة والمناورة، وتحويل قوّة الخصم الى عبء عليه. ويمكن اعتبار ما طبّقه بوتين خلال ولايته، على الصعيدين الداخلي والخارجي، نوعاً من «الجودو السياسي» انتصر عبره على أخصام يفوقونه قوّة. وآخر نجاحاته تكريس الممارسة الديموقراطية من خلال إعلانه الحرص على احترام الدستور، وعدم السعي لتجديد انتخابه، على رغم تمتّعه بصحة جيدة ورصيد سياسي كبير يسمح له بذلك.
لذلك يرغب الكثيرون في العالم، وخصوصاً المتضرّرين من سياسات بوش وإدارته، في استمرار نهجه بعد الانتخابات الرئاسية الروسية المقبلة في ربيع 2008. والأرجح أن يحصل ذلك انطلاقاً من المصلحة الروسية الموضوعية بهذا النهج، ومن قدرة بوتين الجدية على دعم الأطراف والشخصيات الروسية المؤمنة به.
في ما يتعلق بالغرب، ليس معقولاً أن تستمرّ أوهام الروس حول النيات الحقيقية للأميركيين وحلفائهم حيالهم وحيال غيرهم، بعد تجربة العقدين الأخيرين، سواء من قبل الديموقراطيّين الذين دمّروا يوغوسلافيا وباشروا توسيع الحلف الأطلسي إلى حدود روسيا، أو الجمهوريين الذين أوصلوا العملية الى حدود الهند، عبر تفجيرهم «الشرق الأوسط الكبير» واحتلاله عسكرياً. فحتى لو استمرت سياسة الحوار مع الغرب، فستكون سياسة حوار حذر مترافق مع جهد متواصل لصدّ ضغوطهم.
وبالنسبة إلى الشرق، من المرجَّح استمرار تعميق العلاقات الروسية، على مختلف الصعد، بكل دول شرق آسيا، وخصوصاً تلك المنضوية في إطار معاهدة شنغهاي. أمّا الجنوب، وهذا ما يعنينا مباشرة، فإنّ كلّ الاحتمالات تشير الى أنه سيكون في مقدّم الاهتمامات الاستراتيجية الروسية، بل قد يفوق مستوى الانشغال الروسي بالمنطقة طوال فترة الحرب الباردة، الذي كان من أبرز تجلياته آنذاك تحالف مصر الناصرية مع الاتحاد السوفياتي، إذ إنّ دور مصادر الطاقة (من نفط وغاز) في رسم استراتيجيات جميع الدول، سيزداد في العقود المقبلة، مع اقتراب موعد نضوبها، إضافة إلى الكثافة الراهنة والمتوقّعة للوجود الأميركي والأطلسي الاقتصادي والسياسي والعسكري في منطقتنا، على الحدود الجنوبية للمدى الروسي.
وأخيراً وليس آخراً، إنّ فرص المنافسة في الجنوب، بالنسبة إلى الروس، أكبر مما هي في المديين الأطلسي والباسفيكي، حيث يسيطر هناك مباشرة الأميركيون والأوروبيون والصينيون واليابانيون، لذا من المنطقي أن يتابع الروس، بعد بوتين، إعطاء أولوية كبيرة لعلاقاتهم بإيران والهند وبعض الدول العربيّة، ومنها سوريا. ومن مصلحة كل القوى الحريصة على استقلال المنطقة وتحريرها من الاحتلال الأطلسي، أن تسير روسيا في هذا الاتجاه، فنحن بحاجة إليها بقدر حاجتها إلينا.
* عضو المجلس الوطني للحزب الشيوعي اللبناني