strong>زياد حافظ **


من الطبيعي أن يستوقف الانتصار الكبير، والمزدوج، الذي أنجزته المقاومة الوطنية في تحرير الأرض عام 2000 والتصدي للعدوان ودحره عام 2006، الانتباه والمتابعة من جميع المراقبين. ومن الطبيعي أيضاً أن تتناول هذه الندوة بإسهاب نتائج ذلك الانتصار. يبقى الأهم في هذا الموضوع، وخاصة في هذه المرحلة، التوقف عند المسألة الأهم، ألا وهي ضرورات حماية الانتصار، وكيفية توفير قواعد الحماية المنشودة.
فإذا كان إنجاز الانتصار عملاً في غاية الأهمية في حد ذاته إلاّ أن الحفاظ على ذلك الإنجاز مهمة أصعب في الشكل والمضمون في ضوء مجموعة من مواقف قيادات لبنانية وعربية ودولية أغضبها الانتصار، وكل منهم لأسبابه الخاصة، ولم تتأخر، بتصريحاتها وإعلامها وسلوكها، عن ارتياد طريق محاولة محو الإنجاز من وعي ووجدان الجماهير اللبنانية والعربية التي كافحت في تأييدها المقاومة في دحرها للاحتلال.
في ندوة مماثلة أقيمت في أيلول عام 2006 نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية حول نتائج الحرب الإسرائيلية على لبنان من منظور دولي وعربي ولبناني، ومن منظور سياسي واقتصادي، قدّمتُ ورقة مسهبة في تقويم النتائج على الصعيد اللبناني من الزاوية السياسية والاقتصادية.
كنت آنذاك، وما زلت، أعتقد أن قدر لبنان أن يكون دولة مواجهة، وإن كنت على يقين أن شرائح كبيرة من المجتمع اللبناني في شقه السياسي والمذهبي تريد أن يخرج لبنان من دائرة الصراع العربي الصهيوني ويعمل فعلاً ضمن محور إلحاق لبنان بالمحور الأميركي، أو في أحسن الأحوال وضعه على نهج الحياد السلبي في الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي.
لست هنا في صدد مراجعة خلاصات البحث الذي تقدمت به، لكنني أجد نفسي مدفوعاً عفوياً للدعوة، في إطار حماية الانتصار، إلى التركيز على هدفين استراتيجيين أعتبرهما في مرتبة الضرورة الوجودية للوطن والحفاظ على المقاومة وسلاحها والثقافة المنبثقة منها.
هذان الهدفان هما الحفاظ على السلم الأهلي والوحدة الوطنية. فإذا كان الهدفان من البديهيات في أي ظرف كان أو في أي بلد، إلاّ أن واقع الأمور في لبنان تجعلهما في طليعة الأهداف الاستراتيجية التي يجب الكفاح من أجل تحقيقها، ومحور أي استراتيجيا يحتاج إليها العمل الوطني. وقد لا أكون بحاجة إلى لفت النظر إلى أن البنية السياسية القائمة في لبنان، وكذلك الوضع الإقليمي والدولي، تنطوي على عناصر كثيرة تهدّد قضية السلم الأهلي والوحدة الوطنية وتجعل موضوعهما مسألتين محسومتين. فهناك من يعمل بكل الوسائل، بوعي أو من دون وعي، لجر الوطن إلى الهاوية سواء على صعيد ضرب السلم الأهلي أو الإفادة من الكارثة الاقتصادية والاجتماعية المرتقبة، أو على صعيد تكريس الانقسام الوطني عمودياً وأفقياً.
فما هو دور السلم الأهلي و«الوحدة الوطنية»؟
وما هو ثمن تحقيقهما لحماية انتصار المقاومة؟
أو ما هو ثمن عدم تحقيق السلم الأهلي والوحدة الوطنية على مستقبل المقاومة وثقافتها وعلى الوطن بأكمله؟
وبالتالي كيف نحمي الانتصار؟
الإجابة عن السؤال الأخير ليست سهلة، ولا هي وصفة بسيطة. وأقرّ مسبقاً بأنني لا أملك وصفة متكاملة تفي بالغرض.
فالخلافات على الساحة اللبنانية عميقة وحادة، وهناك نوع من التوازن، الكمّي والنوعي، بين القوى المؤيدة والحامية للمقاومة وتلك الممتثلة للإملاء الأميركي (وبالتالي الصهيوني) أو الخاضعة لهذا الإملاء تحت عنوان «إرادة المجتمع الدولي».
ـــــ إن تحديد السبيل الأفضل لمعالجة هذا الخلاف العميق والاختلاف الحاد يخرج عن نطاق هذه المداخلة، إلا أن ما يمكن عرضه هنا، وفي هذا الظرف بالذات، هو الأسلوب الذي يفترض اتباعه لإيجاد آليات للحفاظ على السلم الأهلي والوحدة الوطنية، ولتعميقهما.
ـــــ فالسلم الأهلي هو الأولوية المطلقة التي تقتضي رفض الإقدام على أي خطوة قد تؤدي إلى نزاع مسلح بين اللبنانيين. وتقضي بالتالي عدم الرد على أي استفزاز من الطرف الآخر.
ـــــ أما الوحدة الوطنية فهي الجناح الآخر للسلم الأهلي وهي الدرع المنيع للتدخلات الأجنبية مهما كانت قوتها.
وإذا كانت الوحدة الوطنية هي الحاضن الطبيعي للسلم الأهلي فقد لا نضيف جديداً إذا قلنا إن تحقيق هذه الوحدة الوطنية يتم عندما يلتقي اللبنانيون على أهداف مشتركة تضمن مستقبلهم.
لا نضيف جديداً عندما نشير إلى ذلك،
لكن يمكننا الملاحظة بوضوح أن أياً من الفريقين المتنازعين لم يبادر إلى وضع وعرض رؤية مستقبلية وآليات تنفيذية لمشروع وطني جامع يوفر الحماية للوطن أرضاً وشعباً، ويضع للبنانيين قواعد نظام قائم على المساواة والحرية، عبر تجاوز المنطق الفئوي، وتوفير فرص الإنماء والتنمية، وبناء قاعدة قوية لاقتصاد منتج يُخرج الوطن من سيطرة القطاعات الريعية ويضع حدّاً لانكشافه وتبعيته للخارج.
إن دروس الحرب الأهلية التي فتكت بلبنان هي التي يجب أن تبقى قائمة في يقين وذهن القوى الوطنية الحريصة على السلم الأهلي والوحدة الوطنية.
وإذا كان لبنان قد استطاع بمساعدة عربية ودولية تجاوز محنة الحرب الأهلية السابقة، فليس هناك من ضمانة كافية تمكّننا من تجاوز حرب أهلية أخرى. وإن قيام حرب أهلية أخرى يعني نهاية لبنان كياناً وما يمثله من محفل للحريات تحتاج إليها كل الأقطار العربية.
لقد مرّت المقاومة وأنصارها خلال السنة الماضية بعدد من المحطات امتُحنت فيها قدرتها على ضبط النفس واستيعاب الضربات المؤلمة والحفاظ على المناقبية في التعامل مع الحدث. وكانت النتيجة، حتى الآن، نجاح المقاومة في تفويت الفرصة على من يريد إنشاء «الفوضى البنّاءة» التي يراهن عليها العدو الصهيوني ومن خلاله الإدارة الأميركية.
وإذا كان لا بد هنا من الإشادة بحكمة قيادة المقاومة وسيدها والقيادات الوطنية المؤيدة لها والمتحالفة معها في منع الفتنة التي يحرّض ويروّج لها الفريق المتحالف مع سياسة الإدارة الأميركية، فإن متطلبات العمل المستقبلي تفرض التنويه مسبقاً بتجاوب الناس عفواً مع المقاومة، الأمر الذي تجلّى في عدة مناسبات، وخاصة في الحشد الجماهيري الذي كان تحت عنوان التحالف بين المقاومة والقوى الوطنية في كل من أيلول وكانون الأول من عام 2006، والذي كان رادعاً لأية محاولة مجابهة مباشرة من قبل الفريق الآخر.
وسط التفاعل المقلق بين هذه العوامل الإيجابية والمعطيات السلبية الكامنة في الانقسام حول مبدأ المقاومة، أعتقد أن من الضروري مراجعة بعض المواقف والمسالك التي ساهمت في تأجيج المواقف، أو (على الأقل) وفّرت الأعذار للفريق الأكثري للتعنّت والتصلّب، ومكّنته من تجاهل الوقائع على الأرض.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، أعتقد أن قوى المعارضة التي تحمل لواء المحافظة على سلاح المقاومة وثقافتها أخفقت في قراءة مزاج أهل بيروت حيث جعلت من الوسط التجاري رمزاً ومقرّاً لوجودها. فبدلاً من استمالة بيروت لقضيتها وفقاً لتاريخها القومي (وبيروت ما زالت مجروحة نتيجة سلسلة من الأحداث المعروفة بل حتى غاضبة على ما تعتبره مؤامرات ضدها وضد قياداتها)، انتهز أعداء المقاومة مناسبة الاعتصام في الوسط التجاري لتأجيج التوتر المذهبي وتمكّنوا بذلك من صبّ الملح على الجرح.
ـــــ اعتبرت المعارضة أن الحشد الجماهيري والاعتصام في الوسط التجاري كفيلان بإسقاط الحكومة أو حثّها على إعادة النظر في مواقفها. لم تأخذ المعارضة بعين الاعتبار إمكانية تحويل الاعتصام في الوسط التجاري إلى هجوم مذهبي استطاعت الأكثرية الحاكمة عبر وسائل إعلامها في ترجمته تعبئةً مذهبيةً ما زالت قائمة حتى الآن.
ـــــ قلّلت المعارضة من أهمية الدعم الدولي والإقليمي للحكومة القائمة التي لم تعطِ أي اعتبار للخلل الدستوري الناشئ عن استقالة الوزراء الستة.
ـــــ إن تحوّل مصدر شرعية الحكومة من المؤسسات الدستورية اللبنانية إلى مواقف دولية خارج سيطرة اللاعبين المحليين، يطرح التساؤل عن جدوى التمسك بالاعتصام في الوسط التجاري، وخاصة أن الحشد الجماهيري فيه شبه معدوم. فمنافع الاعتصام تقلّصت كثيراً بينما زادت سلبياته تجاه قضية المقاومة وجمهورها، إلاّ إذا كان الاعتصام يشكل جزءاً من استراتيجيا متكاملة تفرضها متطلبات الصراع الدولي والإقليمي المفروض على المقاومة التي تدرك أكثر من أي طرف آخر جوهره ومعطياته والآليات المناسبة للتصدّي له.

***

من جهة أخرى تتحمل المعارضة مسؤولية عدم إفهام حلفائها الإقليميين خصوصية الساحة اللبنانية ومسؤولية تهيئة الأرضية لبعض القيادات الإقليمية التي اتخذت مواقف وتصريحات صبّت الزيت على النار. فإذا كانت هذه المواقف استجابة لمزاج داخلي في تلك الأقطار، إلا أن نتائجها كانت سلبية على الساحة اللبنانية.
فالمقاومة في لبنان، كما في العراق وفلسطين، وكما الممانعة في سوريا، جزء لا يتجزأ من الصراع الشامل القائم. فهي ليست جزراً مستقلة عن بعضها، لكن تنميتها وتطويرها وتقويتها في كل ميدان يتطلب دائماً من الجميع إيلاء الاعتبار لخصوصيات كل الساحات الأخرى.
لا شك في أن المسؤولية الأكبر تقع على الأخ الأكبر في الصراع وضرورة تفهّمه خصوصيات الساحة اللبنانية. فدعم المقاومة والمعارضة يتمّ بالتنسيق والتفاهم مع القيادات الوطنية وفقاً لرؤية مشتركة تحدّدها جميع الأطراف المعنية. ولا بد من الانتباه إلى ما حصل من مواقف وأحداث على الصعيد الإقليمي خلال العام المنصرم لتجنّب الوقوع في المطبات نفسها التي تؤثر سلباً في القوى الممانعة للمشروع الأميركي في المنطقة. في كل حال، فإن انسداد الأفق السياسي في لبنان في الظرف الراهن هو نتيجة التحام الوضع اللبناني بالوضع الإقليمي والدولي، والحل رهن بحلحلة الأمور على الصعيدين الإقليمي والدولي. وهذا ما لم يحصل حتى الآن ولن يحصل على ما يبدو في المنظور القريب. فالمسألة ستتأرجح بين لا حل ولا انفجار حتى تتجلى الأمور على الصعيد الإقليمي والدولي.
وفق هذه المعطيات تتحدد معالم استراتيجيا الحفاظ على السلم الأهلي وإنجاز الوحدة الوطنية. فالمطلوب اتباع سياسة مرنة لا تفرّط في الجوهر (وهو الحفاظ على المقاومة وسلاحها)، ولكن تضمن دائماً توفير شروط استمرار السلم الأهلي والوحدة الوطنية.
من المؤسف أن ينجح خصوم المقاومة وأعداؤها (ولو عن باطل) في تصوير سياسة أصحاب الانتصار الاستراتيجي كأنها صراع من أجل السلطة. فالمطلوب، بإلحاح، هو إخراج المقاومة من مستنقع السياسة الداخلية في لبنان بعدما نجح خصومها في إدخالها إلى هذا المستنقع، والعمل بسرعة على استيعاب أكبر عدد ممكن من اللبنانيين في صيغة تحمي المقاومة. هذه الصيغة مطلوبة وقد كنت عبّرت عنها في عدة مقالات وحوارات مع المعنيين بالأمر، انطلاقاً من معرفتي أن العديد من اللبنانيين الذين يؤيدون مبدأ المقاومة واستراتيجيتها العامة، يجدون أنفسهم غير قادرين على الانخراط في المؤسسات القائمة والتابعة للمقاومة، وحتى المتحالفة معها. وهنا يكمن بيت القصيد:
هل تستطيع المقاومة الانفتاح واستيعاب الآخرين، وتفادي صورة الاستئثار بالقرار؟
إن استراتيجية الفريق الخصم واضحة، وهي مبنية على معرفة مسبقة بأن المعارضة، وخاصة المقاومة، لن تقدم على حسم الصراع السياسي بالقوة. ولذلك يتبع الفريق الخصم سياسة الاستنزاف والقضم من رصيد المقاومة، وسياسة استدراجها قدر الإمكان إلى مجابهات على الأرض. صحيح أن ذلك الفريق لم يستطع تحقيق هدفه المتمثل باستدراج المقاومة إلى مجابهة مباشرة، إلا أنه مستمر في الاستئثار بالسلطة وخلق أمر واقع مكوّن من مجموعة إجراءات قد يصعب إلغاؤها مع الوقت. ويتبع الفريق المذكور هذه السياسة على قاعدة كسب الوقت حتى تحسم الأمور على الصعيد الإقليمي والدولي لمصلحة التحالف الذي ينتمي إليه. وهو يستند إلى وعود بأن حليفه الدولي لن يقبل بأي مساومة على وجود الفريق الأكثري ومصالحه. وما زالت المعارضة ومعها المقاومة في موقع رد الفعل وعدم القدرة على اتخاذ مبادرة تربك الفريق الآخر.
ويلاحظ أن المعارضة والمقاومة تفتقر إلى خطاب موحد، وفقاً لاستراتيجيا متكاملة على الصعيد السياسي والإعلامي، وحتى الاقتصادي والمعيشي. فليس هناك من يلتفت إلى واقع الناس ولا من يصوغ مشروعاً يعطي الأمل في مستقبل لن يكون بالبعيد.
في هذا السياق أريد أن أتوقف بعض الشيء عند الخطاب والسلوك الإعلاميين للمعارضة ومعها المقاومة. فذلك الخطاب ما زال حتى الآن خطاباً مشوباً بالارتجالية، ولا يخرج عن إطار ردة الفعل على حدث يخلقه الفريق الآخر أو من حالفه. وليس هناك من حشد للطاقات الوطنية الفكرية لصياغة خطاب وبرنامج إعلامي وطني متكامل يكشف من جهة الفريق الخصم سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً ووطنياً، ويعبّر من جهة ثانية عن برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي متكامل. وتفتقر المعارضة والمقاومة في ذلك إلى إطار مؤسسي قادر على استيعاب الطاقات.
إن هذا الوضع لا يتناسب مع حجم الفعل الذي حققته المقاومة على الأرض. فلا يكفي أن تعلن المعارضة أن هدفها هو المشاركة ضمن إطار حكومة وحدة وطنية، بل يجب أن تحدد مهمات تلك الحكومة وما يمكن أن توفر من حلول عملية للأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية:
فما هو هدف الحكومة الوطنية ولماذا يجب الإصرار عليها؟
هل وصول المعارضة أو بعض القوى إلى الحكومة كفيل بحل المشاكل؟
ما هو المشروع الوطني الذي تريد إقراره؟
ما هي رؤيتها لسياسة دفاعية تحمي الوطن والمواطن؟
ما هي رؤيتها لسلّة المشاكل الاقتصادية التي يفترض أن تبدأ بمعالجة الدين العام وصولاً إلى وقف هجرة الشباب؟
قد يقول البعض إن إمكانيات الفريق الآخر في الحقل الإعلامي أكثر وأكفأ. وهذا صحيح، ولكن ماذا يمنع المعارضة من أن تخلق شبكة إعلامية تتكامل في أدائها وتدعمها مادياً كل القوى المناصرة لها؟
إن صدقية وسائل الإعلام القائمة في جو الانقسام المذهبي الحالي تتقلّص، ولن تخرج عن ساحة جمهورها الذي، وإن كان واسعاً، فإنه لا يشمل أكثرية شرائح المجتمع اللبناني. لا تكمن القضية في مخاطبة الجمهور المناصر بل في مخاطبة الوطن والتعبير عن هواجس المواطنين كافة.
إن الخطر الأكبر في كل ذلك هو أن يكون غياب الخطاب الإعلامي المتكامل والموحّد دليلاً على غياب استراتيجيا سياسية متكاملة عند فريقي المعارضة والمقاومة، وذلك أن غياب الاستراتيجيا يزيد من صعوبة حماية إنجازات المقاومة.
هناك استحقاقات سياسية مقبلة منها الاستحقاق الرئاسي والانتخابات الفرعية، ولكن الأهم هو الاستحقاق النيابي عام 2009. فهل تستطيع قوى المعارضة الصمود حتى ذلك الحين بغض النظر عمّن سيأتي إلى الرئاسة الأولى، وبغض النظر عن استمرارية الحكومة الحالية المطعون بشرعيتها؟ هذه الاستحقاقات هي المحطات الأساسية لقدرة المعارضة على الصمود والحفاظ على السلم الأهلي. فما هي استراتيجيتها تجاه ذلك في غياب مخرج دستوري تبدو الأكثرية النيابية القائمة قادرة على تعطيله؟
هكذا نصل إلى السؤال الأخير وهو: كيف يمكن الصمود أمام الهجمة التي تشنّها الأكثرية الحكومية على كل من الخطاب الوطني المقاوم وقواه وما بقي من مؤسسات الدولة؟
في هذا السياق، لا بد من التوقف عند أحداث مخيم نهر البارد ونتائجها المرتقبة. إن زجّ الجيش اللبناني في قتال كان بالإمكان تجنّبه، يهدف إلى نسف الدور التوحيدي للمؤسسة الوطنية التي استطاعت أن تقف على الحياد في الصراع الداخلي. وإذا كانت الأحداث في المخيم قد أدّت إلى زيادة التعاطف الشعبي مع الجيش اللبناني والالتفاف حوله، فإن توظيف ذلك التعاطف والالتفاف ما زال غامضاً. ويجب الوقوف عند بيان قائد الجيش الذي يدعو كل الأطراف إلى التنازل «وفاءً لدم شهداء الجيش». وعلى هذا الأساس تبدو المعارضة مطالبة بمبادرة ما تكسر الجمود من دون أن تمسّ بالأساسيات. المهم هو كسب المعركة الإعلامية في هذه المرحلة إلى أن تتبلور ملامح مرحلة الحل السياسي التي ما زالت بعيدة حتى الآن.
* مداخلة أُلقيت خلال ندوة المنتدى القومي العربي لمناسبة مرور سنة على الحرب الإسرائيلية العدوانية على لبنان (16 و17 تموز 2007)
** كاتب وباحث عربي من لبنان