مرّت علاقات الجمهورية الإسلامية مع فرنسا بظروف مختلفة، بدأت بإقامة قائد الثورة الإسلامية الإيرانية الإمام الخميني في إحدى ضواحي باريس، وتحديداً في نوفل لوشاتو، ومن ثَمَّ عودته إلى طهران عام 1978 على متن طائرة تابعة لشركة الطيران الفرنسية «إير فرانس» ونزوله على مدرج الطائرة واضعاً يده بيد قائد الطائرة الفرنسي الجنسية. أكسب ذلك فرنسا كل الاحترام والتقدير في الشارع الإيراني، وذهب البعض لتوقّع علاقات ذهبية بين باريس وطهران، خلال حكم آية الله الإمام الخميني.


إلا أن الهجوم (العدوان) الشامل الذي شنّه الجيش العراقي على إيران، واحتلاله جزءاً كبيراً من أراضيها (1980 ــ 1988) أسهم في خلط كافة الأوراق، لأن الحكومة الفرنسية، آنذاك برئاسة فرانسوا ميتران (1981 – 1995)، تصرّفت بكرم بالغ مع الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، ومنحته أفضل الطائرات الحربية والمنظومات الصاروخية وأكثرها تطوراً، الأمر الذي أسهم بنحو رئيسي في قلب الموازين في المعارك الجوية والحملات الصاروخية، لمصلحة جيش صدام حسين.
وقد عجّل اقتحام الطلاب الجامعيين المناصرين للإمام الخميني للسفارة الأميركية في طهران، واتخاذهم موظفيها رهائن، في وقوع الانفصال بين باريس وطهران، وأوقع القطيعة بين الطرفين. فلو لم تدعم فرنسا حكومة الرئيس صدام حسين في حربه ضد إيران، لأمكنها أن تستغل المكانة التي اكتسبتها لدى الشعب الإيراني، وأن تلعب بسهولة دور الوسيط بين إيران وأميركا لحلّ أزمة رهائن السفارة.
وبعد قرابة ثلاثة عقود من الزمن، أمعنت فرنسا في اتخاذ مواقف سياسية وتقنية حادّة في ملف البرنامج النووي الإيراني، ما أسهم في التباعد بين البلدين، حتى أن وسائل الإعلام الإيرانية اعتبرت أن فرنسا تلعب دور الشرطي السيّى في المفاوضات النووية بين إيران ودول «5+1».
الآن، خرج صدام حسين وحزبه من الحسابات السياسية، ولم يبقَ لهما أي أثر، وفي مقابل ذلك عزّزت إيران من قدرتها ونفوذها في العراق، إلى أن جاء احتلال تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» مدينة الموصل عام 2014، ومحاولته التمدّد في اتجاه العاصمة بغداد. ولو لم يأتِ الدعم الإيراني لكان «داعش» اليوم يحتل بغداد من دون أدنى شك، إلا أنه بات يحصي أيامه الأخيرة في الموصل، بسبب المساعدة الإيرانية غير المحدودة للسلطات العراقية.
سبق كل ذلك التوصل إلى حلّ لأزمة البرنامج النووي الإيراني، في إطار الاتفاق بين إيران ومجموعة «5+1»، وهو ما وصفه الرئيس الإيراني حسن روحاني باتفاق جعل الجميع فيه رابحين «win win solution»، فيما أزاحت إيران عن كاهلها أعباء القرارات الستة لمجلس الأمن الدولي المدرجة تحت البند السابع، وبدأت بموجب هذا الاتفاق تجربة حقبة جديدة في التعامل مع العالم، وخصوصاً الاتحاد الأوروبي، وبشكل خاص جداً مع شريكتها القديمة الجديدة فرنسا، التي كانت أول من بدأ العمل في مفاعل بوشهر النووي في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، قبل الثورة الإسلامية.
فرنسا كانت أول دولة تعود إلى إيران بعد الاتفاق النووي، من خلال شركتي «بيجو» و«رينو» للسيارات، وشركة تصنيع الطائرات «إيرباص». كذلك، وقّعت شركة «توتال»، خلال الأيام الماضية، عقداً مع وزارة النفط الإيرانية بقيمة 4,8 مليارات دولار، وهو أكبر عقد توقعه وزارة النفط الإيرانية منذ التوصل إلى الاتفاق النووي وإزالة العقوبات الدولية المفروضة على طهران. ولكن هذا لا يعني أن العلاقات الإيرانية ــ الفرنسية أصبحت في مأمن الآن، بل هناك الكثير من العوامل التي يمكن أن تؤثر بشدّة فيها.
لا شك في أن العلاقات الإيرانية ــ الفرنسية ينتظرها مستقبل مضيء، في ظل سياسة الحكومة الإيرانية الحالية وشخص الرئيس حسن روحاني الذي يشدد على توطيد العلاقات مع فرنسا، بصفتها عضواً فاعلاً في الاتحاد الأوروبي، ولكن يجب أن لا ننسى أن روحاني يدفع ثمناً باهظاً في الداخل الإيراني بسبب سياسته هذه.
وبالتزامن مع استضافة باريس، أخيراً، للقوى المعارضة للجمهورية الإسلامية الإيرانية والمؤتمر الذي عقدته هذه القوى بحضور مئات الشخصيات السياسية من أوروبا وأميركا والدول العربية، لم ينتظر مندوب فرنسا في الأمم المتحدة مغادرة وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف الأراضي الفرنسية، ليسجّل اعتراضه في مجلس الأمن الدولي على برنامج إيران الصاروخي وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري اللواء قاسم سليماني، بقوله إن تجارب إيران البالستية وسفر الجنرال قاسم سليماني يُعَدّان نقضاً لقرار مجلس الأمن رقم 2231. ومن جهة أخرى، طالب جون بولتون ــ وهو أحد أبرز المتشددين في الحزب الجمهوري الأميركي ــ خلال وجوده في فرنسا، بسقوط النظام الإيراني، معرباً عن أمانيه بأن لا يكمل هذا النظام عامه الأربعين.
تزامنت هذه الأحداث مع استضافة باريس لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ونتجت منها أزمة سياسية في الداخل الإيراني، وتوجيه سهام الانتقاد الحادة للرئيس حسن روحاني وحكومته. فقد اعتبر المستشار الأعلى للسلطة القضائية في شؤون حقوق الإنسان محمد جواد لاريجاني تزامن هذه الأحداث إهانة كبيرة من قبل الحكومة الفرنسية للجمهورية الإسلامية. وقال إن «الحكومة الفرنسية أهانت شعبنا وحكومتنا في وقت يوجد فيه وزير خارجيتنا على أراضيها، مع الأسف كانت هناك افتراءات ضدنا في مجلس الأمن، فرنسا قدمت عرض دمى وأهانت الشعب الإيراني بنحو واضح». واستحضر لاريجاني من الدفاتر القديمة ملف الحرب العراقية ــ الإيرانية، مشيراً إلى أن فرنسا بتقديمها الطائرات والصواريخ لنظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين سببت مقتل مئات الإيرانيين. كذلك، تحدثت وسائل إعلام عديدة، من بينها برنامج تلفزيوني يعنى بأبرز الأحداث العالمية، عن استضافة فرنسا لمنظمة مسؤولة عن اغتيال ومقتل أكثر من ستة عشر ألف إيراني، في إشارة إلى منظمة «مجاهدي خلق» التي تعدّها إيران منظمة إرهابية.
وفي غضون ذلك، انتشر خبر توقيع عقد ضخم بقيمة تقارب خمسة مليارات دولار بين وزارة النفط الإيرانية وشركة «توتال» الفرنسية، حتى أن الرئيس التنفيذي للشركة الفرنسية التقى رسمياً الرئيس الإيراني حسن روحاني. وقد أثار هذا الأمر عاصفة من الأصوات التي ارتفعت لمعارضة هذه الصفقة. وطالب علي رضا زاكاني، وهو نائب سابق في البرلمان الإيراني، وكان رئيساً للجنة المسؤولة عن دراسة الاتفاق النووي، ويشغل حالياً منصب نائب قائد مقر ثار الله التابع للحرس الثوري في طهران (المقر المسؤول عن أمن العاصمة طهران)، بإلغاء هذه الصفقة بسرعة. وقال إن «العقود النفطية والغازية الجديدة، وإبرام صفقة مع شركة توتال التي سبق أن جربنا خيانتها، هي خيانة للشعب الإيراني». زاكاني، وهو أحد القادة الرفيعي المستوى في الحرس الثوري الإيراني، أشار إلى أن «الوجه الأكثر قبحاً لتصرف وزير النفط زنغنه غير القانوني، أنه جاء في وقت تسخّر فيه فرنسا كل إمكاناتها لتدعم الخونة وأتباع داعش من الإيرانيين»، في إشارة إلى استضافة المعارضة الإيرانية في باريس.
حتى أن محمد جواد ظريف لم يستطع التزام الصمت في ظل الانتقادات الحادة التي وُجِّهَت إلى حكومة روحاني، وتحدّث عن وجود علامات استفهام في العلاقات الإيرانية ــ الفرنسية، موضحاً أنه «خلال لقاءاتنا مع المسؤولين الفرنسيين طرحنا هذا الموضوع، وهم أكدوا لنا أن لا علاقة لهم بهذا التنظيم».
من جهته، رأى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي، خطاب مندوب فرنسا في مجلس الأمن بشأن النشاطات النووية والصاروخية والسياسات الإقليمية لإيران، إثباتاً واضحاً للتحامل المتعمد ضد إيران. وقال إن ادعاءات السفير الفرنسي في الأمم المتحدة عارية من الصحة، والهدف منها تغطية التدخلات الفرنسية الشاملة في الشؤون الداخلية في سوريا، التي كلفت الشعب السوري خسائر مادية وبشرية كبيرة جداً.
يشير سياق هذه الأحداث بوضوح إلى أن أي موقف فرنسي ضد ايران يلقى انعكاساً واسعاً في الداخل الإيراني، وهو ما يصعّب مهمة الحكومة التي تريد توطيد علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فرنسا، ويكلّفها ثمناً باهظاً، إذا أقامت فرنسا علاقاتها على أساس المصالح المتبادلة مع إيران، وكانت الأخيرة مُخلصة لهذه العلاقات. ويمكن باريس أن تستفيد من نفوذ طهران الكبير في المنطقة، لتلعب دوراً في حلّ الأزمة في سوريا والعراق، كذلك يمكنها أن تلعب دوراً في إزالة الغمامة التي تسيطر على العلاقات بين قطر والدول العربية الأربع، ولكن تجاهلها لهذه الحقائق لا يعرّض دورها، بل يمكن أن ينتج منه ردّ فعل في الداخل الإيراني يهدّد أصل العلاقات الإيرانية ــ الفرنسية، وربما يُنسف جميع الفرص لحل الأزمات الإقليمية بمساعدة إيران.
ولا ننسى أن حكومة الرئيس روحاني تنتظرها مهمة صعبة في المضي بسياساتها الداخلية والخارجية، خلال الأعوام الأربعة المقبلة، فإذا واصل الاتحاد الأوروبي تجاهله لالتزام إيران بدقة الاتفاق النووي، واستمر بتماشيه مع السياسة الأميركية المعادية لطهران، سيعرّض هذا الأمر جميع فرص التعاون المشترك، الاقتصادية منها والسياسية، للخطر، خصوصاً أن معارضي الرئيس روحاني في الداخل يتحكّمون بالكثير من مراكز القرار، ويمكنهم فرض المزيد من الضغوط على حكومته. وبالنظر إلى مواقف الرئيسين الإيراني والفرنسي، فمن مصلحة الطرفين أن يسخّرا إمكاناتهما ونفوذهما في المحافل الدولية والاتحاد الأوروبي ومنطقة الشرق الأوسط، لإيجاد حلّ للأزمات وإعادة الاستقرار إلى المنطقة، لأن حالة التوتّر التي تعيشها المنطقة لا تخدم مصالح أيٍّ من فرنسا أو إيران.
* صحافي إيراني