أصبح المصريون جميعاً اليوم مهمومين بوطنهم؛ لأنّ الثورة أعادت إليهم الانتماء إلى الوطن والولاء لبلدهم الحبيب. أصبحوا، باختصار، مواطنين.

لم يشعر المصريون، خلال ستة عقود، بانتماء حقيقي أو ولاء تام، لأنّ السلطة الحاكمة صادرت حقهم الفطري في الحرية، وخاصة حرية المشاركة في القرار الوطني وحكم بلادهم.
لقد شارك الملايين في صنع الثورة بخروجهم المباشر إلى الميادين والشوارع، في كلّ أنحاء مصر، أو بتأييد مطالب الثورة بإسقاط النظام وبناء نظام جديد يقوم على المواطنة الكاملة والديموقراطية التي تحقق الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. وأصبح اليوم من حقهم أن يستمروا في ثورتهم، بكل الطرق، حتى يحققوا آمالهم المشروعة.
وكان تصويت 18 مليون مصري ومصرية بنسبة تفوق أربعين في المئة، أكبر دليل على صدق توجّه المصريين وقوة عزمهم على قطع الطريق على من أراد أن يصادر حقوقهم السياسية؛ فلا عودة إلى الوراء.
كيف يشارك المصريون في صنع القرار وفي حكم بلادهم؟ الجواب سهل: عبر كلّ أدوات المشاركة.
من أهم هذه الأدوات:
1 ـــــ الأحزاب السياسية التي تسعى للوصول إلى الدائرة الضيقة لصنع القرار: دائرة الحكم والسلطة عبر صناديق الانتخابات الدورية.
2 ـــــ المجتمع الأهلي الناشط، الذي يقوم بدور الشريك للسلطة والمراقب لها، في النقابات المهنية والعمالية والاتحادات الطلابية وهيئات التدريس والجمعيات الأهلية، في كلّ المجالات. جمعيات تتمتع بكلّ الحقوق العامة في التنظيم والتعبير والتظاهر السلمي والأحزاب.
3 ـــــ الإعلام الحرّ بشقيه: القومي الذي يجب أن يتحرر من سيطرة أي حكومة مقبلة ليكون ملكاً لكلّ الشعب، والإعلام الخاص الذي يجب أن يتحرر من سيطرة رجال المال والأعمال، الذين يوجهونه حسب رغباتهم الخاصة.
4 ـــــ شبكة الإنترنت ومنتديات التواصل الاجتماعي التي سيُقبل عليها المصريون بقوة، بعد الدور الكبير الذي قامت به فى ثورة 25 يناير.
5 ـــــ جماعات الضغط والمصالح، كجمعيات رجال الأعمال واتحادات الصنّاع والتجار والمزارعين... إلخ.
فلنبدأ بالأحزاب السياسية، ولنرَ كيف نتوقع دورها بعد الثورة.
تعبّر الأحزاب السياسية إما عن أيديولوجيات أو أفكار سياسية، وإما عن مصالح اقتصادية أو شبكات اجتماعية. وهناك أحزاب تنشأ لقضية أو مشكلة محددة، كأحزاب الخضر التي تدافع عن بيئة نظيفة. وتحوّلت هذه الأحزاب من جماعات ضغط إلى أحزاب، لتشارك في السلطة وصنع القرار.
والتيارات السياسية والفكرية الأساسية في المجتمع المصري أربعة، هي:
أولاً: التيار الإسلامي الذي عبّرت عنه في بداية القرن الماضي «الجامعة الإسلامية»، بزعامة مصطفى كامل ومحمد فريد، وجسّدته في بداية الربع الثاني من القرن العشرين جماعة الإخوان المسلمين. وقد واكبها ظهور تنويعات أخرى، لم تهتم بالسياسة إلا أخيراً، كالجميعة الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنّة، وأنصار السنة المحمدية، ثم الجماعة الإسلامية التي نزعت إلى العنف ثم راجعت نفسها بشجاعة، وجماعة الجهاد التي ليس لها رأس واضح الآن، ويختلف قادتها في المراجعات الفكرية أو ما يسمى ترشيد الجهاد، والتيار السلفي الذي تُركَّز الأضواء الإعلامية على ممارساته وبعض أفراده المتشددين دون المعتدلين منهم.
يعبَّر عن هذا التيار اليوم، حزب الحرية والعدالة الذي يؤسسه الإخوان المسلمون، وحزب الوسط الذي حصل على الرخصة بعد نضال قانوني دام 16 سنة، وحزب العمل الذي يعاني انقسامات واضحة، وأحزاب أخرى لم تر النور بعد، ولم يعلن أصحابها استمرارهم في جهود التأسيس.
ثانياً: التيار الليبرالي. وهو تيار نشأ أيضاً منذ بداية القرن العشرين من عباءة الشيخ الإمام محمد عبده (تلميذه النجيب سعد زغلول، وتلميذه الآخر قاسم أمين).
ونشأ أيضاً جزء من هذا التيار بعيداً عن تلك العباءة، بزعامة أحمد لطفي السيد وآخرين. انقسم هذا الجزء قبل 1952، بسبب الأفكار والمرجعية، وبسبب الاحتلال الذي ساند البعض ضد الآخرين، وبسبب القصر الملكي الذي حارب حزب الوفد بلا هوادة، وكان الحزب المعبّر الأكبر عن التيار الليبرالي ذي الجذور المصرية. يمثل هذا التيار الآن أحزاب قائمة عدّة، أشهرها الوفد، والجبهة الديموقراطية، وائتلاف الغد الذي يؤسسه أيمن نور، أحد أهم رموز التيار الليبرالي الشبابي.
هناك تيار ليبرالي عريض لا يجمعه إلا الأفكار الليبرالية العامة، ويحاول بعض رموزه تأسيس أحزاب أهمها ما قام به الدكتور حازم الببلاوي، والدكتور أبو الغار، والدكتور محمد غنيم وآخرون وانضم إليهم الدكتور عمرو حمزاوي (المصري الديموقراطي الاجتماعي).
يساند هذ التيار منابر إعلامية أسهمت بدور خطير في الثورة والتمهيد لها بدرجة أو أخرى، يسيطر عليها رجال مال وأعمال لهم مصالح رأسمالية واستثمارية، مثل القنوات الفضائية «الحياة»، لمالكها رئيس حزب الوفد الدكتور السيد البدوي. ومن هذه المنابر أيضاً: أون تي في، وأو تي في، اللتان يملكهما المهندس نجيب ساويرس، وقناة «دريم» لصاحبها الدكتور أحمد بهجت، و«المحور» التي يملكها حسن راتب وجريدة المصري اليوم لملّاكها صلاح دياب وساويرس وآخرين، و«الشروق» التي يملكها إبراهيم المعلم وأحمد هيكل.
ثالثاً: التيار القومي الناصري. وهو تيار العروبة، ويمثله الآن الحزب «العربي الناصري» الذي يعاني مشكلات عدّة، وحزب «الكرامة» وهو تحت التأسيس ويرأسه أمين إسكندر ويرشح زعيمه، حمدين صباحي، نفسه للرئاسة. كذلك هناك شخصيات ناصرية وقومية أخرى، تبحث عن إمكان توحيد جهودها وتأسيس حزب واحد يجمع كلّ التيار الناصري القومي،
علماً بأنّ التيار الإسلامي، ممثلاً بالإخوان المسلمين يؤمن بالعروبة ويعدّها مرحلة ضرورية قبل إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية.
وبذلت جهود عدّة منذ 1989 في التقريب بين التيارين في إطار المؤتمر القومي الإسلامي والمؤتمر القومي العربي، وتواجه هذه الجهود اليوم تحدياً خطيراً بعد موجة التغيير والثورات الحالية.
رابعاً: التيار اليساري بتنويعاته المختلفة من شيوعيين سابقين وحاليين ويساريين مستقلين، ويساريين عروبيين، ويسار جديد... إلخ .
ويمثل ذلك التيار الآن حزب التجمع، وقد انشقت عنه مجموعة من رموزه مثل عبد الغفار شكر وأبو العز الحريري، وأنيس البياع، لتأسيس حزب جديد بعد خلاف حاد مع قيادة الحزب التي عدّوها من بقايا النظام السابق. كذلك لدينا الحزب الشيوعي المصري، وحزب العمال... إلخ.
ويعاني التيار اليساري، منذ نشأته التنظيمية السرية في أربعينيات القرن الماضي، من الانقسامات المتتالية والاتهامات المتبادلة والعمل السري.
هذه هي التيارات الأصلية في المجتمع المصري. تيارات تمثل النخبة المصرية الفكرية، وهناك تنويعات عليها.
أما المصالح والمطالب والقضايا، فهي تتمثل بحماية البيئة، ومصالح رجال المال والأعمال وحماية العمال والفلاحين... إلخ.
هناك أحزاب أخرى، ورثها العهد الجديد من النظام البائد، ولا أملك ترف ذكر أسمائها لأنّني قد أنسى بعضها، فيغضبون. تجد هذه الأحزاب نفسها أمام امتحان حقيقي لممارسة حياة حزبية حقيقية، وخاصة بعد انتهاء الدعم الحكومي، أو حتى عودته بشرط التمثيل البرلماني أو الحصول على نسبة من الأصوات، وذلك في ظل غياب التزوير الممنهج، وهو ما قد يؤذن بغياب عدد كبير من تلك الأحزاب.
نحن إذاً أمام مشهد حزبي جديد في مصر جديدة.

* قيادي في جماعة الإخوان المسلمين في مصر