تقول الرواية الفلسطينية إن مقام قبر يوسف، شرق نابلس (شمال الضفة)، هو ضريح إسلامي يحوي قبر يوسف دويكات، وهو «ولي صالح وشيخ من قرية بلاطة البلد»، فيما يدعي المستوطنون ضمن حملة تهويد المقامات المستمرة أنه «مكان يهودي مقدس يضم رفات النبي يوسف بن يعقوب بعد نقل عظامه من مصر». يعود تاريخ هذا الادعاء إلى عام 1967، حينما وصل الضابط سابقاً والبروفسور حالياً زئيف تساحور، على رأس دورية لجيش العدو، إلى المقام، برفقة الحاخام اللواء سلومو غورين، فوجدوا شيخاً فلسطينياً يخدم المكان فطردوه فوراً، ثم استدعى الحاخام عبر اللاسلكي جرّافة عسكرية شرعت في تنظيف المقام ومحيطه وهدمت بعض المباني القريبة من المنطقة.

يذكر تساحور في مقالة نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية عام 2012 أن حال مقام يوسف انقلبت، وفوجئ بها عندما عاد إليه للمرة الثانية، إذ استبدل الإسرائيليون بالسجاد بلاطاً يلائم الشعائر التلمودية، واختفت نسخ القرآن لتحلّ مكانها الكتب العبرية، كما استبدل بالجدار الحجري أسلاكاً شائكة وسّعت حيّز المكان. أما الشيخ الفلسطيني فبقي يُلازم المكان بعد طرده إلى أن مات!
وتشكل منطقة «قبر يوسف»، من مخيم بلاطة وقريتَي بلاطة البلد وكفر قليل، حالة مقاومة جماهيرية فعّالة في ملف المقامات، ولعلّ هذا يعود إلى موقعه ورمزيته التي اكتسبها من سجل متميز في المقاومة. فمكان المقام يوفر فرص المقاومة نظراً إلى وجود كثافة سكّانية قريبة منه، ووقوعه بين قرى وثلاثة مخيمات وأحياء يقطنها مئات آلاف الفلسطينيين، إضافة إلى أنه أسهل نقطة اشتباك وتماس مع العدو ومستوطنيه في المنطقة الشرقية لنابلس، خصوصاً أن «حاجز حوارة» ساقط بالمعيار الأمني ولا مجال للكرّ والفرّ جماهيرياً خلال المواجهات فيه، بعكس المنطقة المحيطة بالمقام.

يختصّ هذا المقام برمزية جراء المواجهات المتكررة


أما رمزية المكان، فهي مستمدّة من مواقف شهدها المقام ومحيطه، ففي السادس والعشرين من أيلول/ سبتمبر 1996، خلال «هبة النفق»، هاجمت الجماهير عشرات من جنود جيش العدو كانوا في المقام تطبيقاً لاتفاق أوسلو، ما أدّى إلى استسلام 41 جندياً وطرد قوات الأمن الفلسطيني لهم من المكان. وفي بداية تشرين الأول/ أكتوبر 2000، بعد أسبوع فقط على انطلاقة «انتفاضة الأقصى»، وبالتزامن مع تزايد المجازر التي ارتكبها العدو والارتفاع الكبير في أعداد الشهداء، اندلعت أعنف الاشتباكات هناك، ويسمّيها الفلسطينيون «معركة قبر يوسف» أو «معركة تحرير قبر يوسف». آنذاك، هاجم مئات الشبان جنود العدو بالزجاجات الحارقة والحجارة، وتدخلت مجموعة من المقاومين المسلحين، وأطلقت النار لساعات على الجنود داخل القبر. وكانت غالبية المسلحين من «كتائب شهداء الأقصى» التابعة لحركة «فتح»، ثم استشهد معظمهم بعد سنوات خلال المطاردة، منهم: هاشم أبو حمدان، ياسر البدوي، عزام مزهر، حكم أبو عيشة، كايد أبو مصطفى الملقّب بـ«المكيري» من مخيم بلاطة، وغيرهم.
أسفر ذلك الاشتباك عن مقتل جندي إسرائيلي وإصابة آخرين، واستشهاد ستة فلسطينيين لكون منطقة القبر مكشوفة لنقاط المراقبة الدائمة، إذ ينتشر القناصة على قمم نابلس. أما بقية الجنود، فكانوا متحصنين داخل القبر المُسيّج بالأسلاك والأسوار، علماً أن العدو استعان بطائرة مروحية أطلقت الرصاص الثقيل على الشبان. وانتهى الاشتباك بفرار الجنود ورفع العلم الفلسطيني فوق قبة القبر وطلائها باللون الأخضر كرمز إلى إسلامية المنطقة، بعدما طلاها المستوطنون بالأبيض.
في تلك الأيام، انسحب الجنود من داخل القبر، ولم يتمركزوا فيه حتى انتهاء التوتر الأمني، ومنذ ذلك الحين يجري التنسيق الأمني لإدخال المستوطنين إلى المكان. ثم بين 2000 و2011 شهد المكان استقراراً بالنسبة إلى المستوطنين، لكن حدث ما لم يكن متوقعاً، وهو أن تهاجم دورية من الأمن الفلسطيني الإسرائيليين مجدداً. الحادثة باغتت الجميع صباح 24 نيسان/ أبريل 2011، عندما اقتحمت ثلاث مركبات للمستوطنين محيط المقام بلا تنسيق ومن دون مرافقة من جيش العدو. وصل المستوطنون لأداء شعائرهم التلمودية، وعند خروجهم، اشتبهت بهم دورية «الأمن الوطني» هناك، وطلبت منهم التوقف، لكنهم رفضوا، فأطلق أفراد الأمن النار نحو المركبات أثناء مغادرتها المكان ما أدّى إلى مقتل المستوطن يوسف بن لفنات، الذي كان ابن شقيقة وزير الشباب والرياضة في حكومة العدو آنذاك، وإصابة مستوطنين آخرين.
عقب الحادثة، اعتقلت السلطة أفراد دوريتها كافة، وحققت معهم لجان أميركية، كما حوكم عدد منهم أمام محكمة عسكرية فلسطينية، ثم اعتقل العدو ثلاثة منهم بعد انتهاء محكوميتهم وإفراج السلطة عنهم. أما الضابط المسؤول عن الدورية ومعه جندي آخر، فبقيا معتقلين في سجن الجنيد التابع للسلطة في نابلس. ومنذ مدة، سلّم العدو الأسير نواف بني عودة قراراً بدفع 100 مليون شيكل (100 دولار = 362 شيكل) لعائلة المستوطن القتيل، على رغم أن بني عودة سيُفرَج عنه في أيار/ مايو المقبل، لعدم ثبوت قتله المستوطن خلال الحادثة.
عقب حادثة 2011 اشتدت المواجهات في محيط قبر يوسف والشوارع المؤدية إليه حتى السنة الماضية، كما شهد 2016 استشهاد جمال محمد دويكات (20 عاماً) خلال تصدّيه مع عشرات الشبان لآليات جيش العدو هناك. وأخيراً صار العدو يستعين بجرافات عسكرية لفتح الشوارع عقب إغلاق الشبان لها، فيما يبدو أن المنطقة ستظلّ موقعاً للاشتباكات.