لم تنشأ العلاقات بين الفلسطينيين ومَن احتلَّ أرضهم إلّا بحكم الاضطرار. فالشعور الكامن بالكره المتبادَل أظهرته الأحداث الأخيرة التي ما فتئت أن أعادت البوصلة إلى حيث القضية الأساس. فهل ستعود «علاقات الأمر الواقع»؟ أم أن شيئاً لن يصلح الإناء الذي انكسر؟ هذا ما سيجيب عليه أوّل حدث قد يفجّر البركان من جديد. وحتى ذلك الحين، يبدو أن ثمّة شبه إجماع هنا على حجم الشرخ الذي كرّسته أحداث أيار وتأثيراتها المستقبلية.


الأزمة البنيوية ووهم الاندماج
«العلاقات كانت وستبقى مأزومة بنيوياً طالما أنّ الطرف الآخر ينكر علينا مجرّد انتمائنا الفلسطيني ويتنكّر لحقوقنا وحقوق شعبنا، وعلى رأسها حقّه في كنس الاحتلال لإقامة دولته المستقلّة وعاصمتها القدس. لقد أثبتنا أن انتماءنا ليس خاضعاً للمقايضة أو المساومة»، يقول سكرتير «الحزب الشيوعي» في حيفا وعضو بلديتها، رجا زعاترة. ويذكّر بأنه «في أحداث أيار الأخيرة، تعرّضت الأحياء الفلسطينية في حيفا لاعتداءات من الشرطة الإسرائيلية ومن عصابات المستوطنين الفاشية بهدف قمع تظاهراتنا وتماثُلنا المشروع مع نضال شعبنا في القدس المحتلّة وضدّ العدوان على غزة».
«الصورة النمطية حول العلاقات بين العرب واليهود عموماً في حيفا تُعتبر أفضل - أو لنقل أقل سوءاً - منها في مدن أخرى كاللد والرملة وعكا». ويعزو زعاترة السبب في ذلك إلى «قوّة السكان العرب الاقتصادية والاجتماعية في المدينة والحضور العربي القوي في المرافق العامّة كالمستشفيات والجامعات والقطاعات الحيوية الأخرى». ويستدرك: «لكنّنا لا نعيش في جزيرة منعزلة، بل نتأثّر بالأوضاع العامة ومن تزايد العنصرية في المجتمع الإسرائيلي. هناك أجواء عنصرية ومقاطعة اقتصادية للمحال التجارية العربية والأحياء العربية في حيفا ولكنها آخذة في التراجع شيئاً فشيئاً»، وذلك بالتوازي مع «مبادرات لتعزيز الاقتصاد المحلي». ويتوقّف زعاترة عند الإضراب العام، معتبراً أنه كان «إضراباً ناجحاً لناحية كسره وهم الاندماج والفصل المصطنع بين الحقوق والخدمات اليومية وبين القضيّة الوطنية الكبرى فلسطين».

تمزّق النسيج الاجتماعي الرقيق
تقول الناشطة سماح سلايمة، إن «الاحتجاجات التي تحوّلت إلى مواجهات عنيفة إثر استشهاد موسى حسونة في اللد، أجّجت فتيل المواجهات بين المستوطنين من جهة، والسكان الأصليين من جهة ثانية. وقاد ذلك إلى حرق البيوت والممتلكات والتهديدات بالسلاح في الشوارع، ما جعل كل فلسطيني في مدينة ذات أغلبية يهودية يشعر أنه في خطر وعرضة للتهجم والاعتداء». إثر هذه الأحداث «دُمّر النسيج الاجتماعي الرقيق بين اليهود والعرب. واتّسعت الفجوة، فيما تصاعد منسوب الكراهية والتحريض وصولاً إلى الاعتداءات المتكرّرة من المستوطنين ضدّ الفلسطينيين أو الشرطة وحرس الحدود اللذين تحوّلا إلى كتائب عسكرية لحماية ومرافقة المستوطنين».
وتلفت سلايمة، في المقابل، إلى الشعور بالوحدة والتناغم بين كل الفلسطينيين بغض النظر عن مكان وجودهم «وذلك بسبب الشعور الجامع بأن الاستهداف يطاول الكل الفلسطيني». «المواجهات في القدس كانت متوقّعة نتيجة سياسات المستوطنين المستفزة والمتواصلة بحماية الجيش والشرطة. أحداث أيار الماضي تزامنت مع شهر رمضان، ولم تتوقّف الاعتداءات من قِبَل اليهود في القدس، ممّا أثار السخط والغضب في كل أنحاء فلسطين». وتشير إلى اندلاع «شرارة الإسناد للقدس» من «المدن التي تُعرف كمختلطة، واكتملت بالتكافل والتضامن مع أهل غزة تحت القصف... كل هذا نتيجة كمٍّ هائل من القهر على مدى عقود طويلة من التحريض والتمييز العنصري؛ حيث يقبع فلسطينيو الـ48 تحت وطأة العنف والجريمة، الفقر والسياسيات العنصرية». وتخلص الناشطة إلى أن الأحداث أظهرت «نواحٍ جيّدة، منها ارتفاع منسوب الوعي السياسي والحسّ الوطني عند الشباب العرب الذين لطالما اتُّهموا بالأسرلة وطمس هويتهم الفلسطينة خاصة في المدن المختلطة».

الغضب من التمييز المؤسساتي سيبقى مشتعلاً
من جهته، يرى الناشط السياسي غسان منير، أن «العلاقات بين العرب واليهود متفاوتة ومتغيّرة بحسب الأحداث الإقليمة أو المحلية، وأيضاً بحسب انتماءات رؤساء البلديات في المدن المختلطة». «تعامل السلطات مع فلسطينيي اللد وعكا يختلف عن تعاملها مع فلسطينيي حيفا ويافا والرملة»، وأسباب ذلك عديدة «بينها التعامل مع الوجود الفلسطيني كتهديد ديموغرافي حيث يسكن الفلسطينون في عكا واللد في الأحياء التاريخية القديمة والمناطق التي تعتبر سياحية».
«بعد الأحداث، وكما حصل بعد هبّة تشرين الأوّل عام 2000، عوقب الفلسطينيون اقتصادياً من طريق مقاطعة الأحياء العربية والمرافق السياحية من قِبَل اليهود، بالإضافة إلى حملات اعتقالات لا تتوقّف لأعداد كبيرة من الشباب تخلّلتها تهديدات وعنف وصولاً إلى محاولات تلفيق تهم والضغط عليهم للاعتراف بما لم يفعلوه، وليس نهاية بإصدار أوّل أمر بالاعتقال الإداري». ويتابع: «غَضَبُ السكان العرب في المدن المختلطة ليس وليد اللحظة، وإنّما بسبب تراكم التمييز العنصري والاضطهاد المؤسساتي تجاه السكان العرب في كل مجالات الحياة، وطالما هذه العوامل لم تتغيّر فإن شرارة الغضب ستبقى مشتعلة حتى وقوع حدث كبير آخر».
الأحداث الأخيرة، بحسب منير، فاقمت من «سوء العلاقة القائمة أساساً بين السكان الفلسطينيين والسلطات وخصوصاً مع الشرطة في اللد ويافا وعكا». وانعكاسات ذلك ستكون «بمحاولات السلطات استثمار الكثير من الجهد والمال لإعادة عملية تخريب الهوية والانتماء والوحدة التي ظهرت خلال الأحداث الأخيرة». وينبّه إلى أن هذه الجهود ستشمل «محاولة الوصول إلى أكبر قدر ممكن من المعلومات لاستشراف المستقبل وكيفية ردع المجتمع العربي، كما ستحاول السلطات تجنيد أكبر عدد من العملاء وترهيب الشباب بواسطة لوائح اتهام واعتقالات تعسفية». وبالتوازي مع هذا الترهيب «ستبذل السلطات جهوداً لتحسين الوضع الاقتصادي والخدماتي بواسطة وقف هدم البيوت أو الموافقة على خريطة هيكلية هنا وإقامة مشروع اقتصادي هناك».
وإن كان احتمال عودة «العلاقات بين الجانبين تدريجياً مثلما عادت بعد هبّة أكتوبر عام 2000»، قائماً، لكن بحسب منير فإن «الترسُّبات ستبقى موجودة، لاسيما في ظلّ تحريض الإعلام العبري، والتغييب المتعمّد لرواية الفلسطينيين».