غزة | بعد مرور حوالى ستّين يوماً على انتهاء الحرب على قطاع غزة، لا يزال الغزّيون يعيشون تداعيات هذه الحرب على أكثر من مستوى. هذا العام، لم تختبر الشوارع والطرقات بهجة عيد الأضحى، في ظلّ استمرار أعمال إزالة الركام. للمرّة الأولى منذ سنوات، بدا حيّ الرمال وسط مدينة غزة، والذي كان يُعتبر أكثر أحياء القطاع حيوية نظراً إلى عدد محاله التجارية التي دُمّر العشرات منها خلال العدوان، خالياً من نكهة العيد. غبار أقدام الزبائن الذين كانوا يحتشدون، خلال مواسم مماثلة، في هذا الحيّ الواقع في شارع عمر المختار، تبخّر ليحلّ محلّه غبار ناتجٌ من آليات الحفر التي تحمل لوحات مصرية.

يشتكي أحمد سكيك، وهو مالك متجر في حيّ الرمال، من الكساد الذي يعانيه السوق. ويقول: "في مثل هذا التوقيت، كان السوق يكتظّ بالزبائن والمارّة، وكانت تتزاحم البسطات على جانبَي الطريق، إلّا أن الحرب حدّت من فرص إقبال الزبائن على شراء كسوة العيد". ويشير سكيك إلى أن الحرب ألقت بظلالها على هذا السوق تحديداً، حيث تضرّر العديد من المحالّ التجارية، فضلاً عن أنها ضاعفت من نِسَب الفقر والبطالة، ما أثّر على الحركة الشرائية. وتعاني أسواق القطاع، عموماً، كساداً بفعل شحّ البضائع، ومنْع الاحتلال إدخال الكثير منها على مدى أكثر من أربعين يوماً، بما في ذلك الملابس والأحذية، في وقت سجّلت فيه أسعار العديد من السلع الأخرى ارتفاعاً بفعل احتكار بعض التجّار لها.
أيضاً، في مثل هذا التوقيت من كلّ عام، كان سوق الزاوية شرق مدينة غزة ــــ وهو أكثر الأسواق الشعبية شهرةً على مستوى القطاع ــــ يمثّل قبلة للنساء اللواتي يتدافعن لشراء مستلزمات حلوى الكعك المحشوّ بـ"العجوة"، غير أن الواقع الآن مختلف تماماً. يجلس أصحاب البقالات على امتداد السوق على أبواب محالهم في انتظار الزبائن، لكن من دون جدوى. محمد عبد الجواد واحدٌ منهم، وهو يملك محلّاً صغيراً مخصّصاً لبيع حوائج الحلويات والخلاصات العشبية. "في مثل هذه الفترة، لم يكن هناك متّسعٌ لموطئ قدم هنا، كان الناس يتزاحمون على شراء التمور والعجوة، أمّا الآن فكما ترى، لا مشترين ولا من يحزنون"، يقول عبد الجواد (50 عاماً)، مضيفاً بتهكّم: "الناس لم يعودوا يحبّون الحلوى". ثم يتحدّث بجدّية، قائلاً: "للأسف، تزاحمت المواسم، بدءاً من تحضيرات عيد الفطر، وما أعقب ذلك من حرب خلّفت أضراراً بالغة، إلى جانب عيد الأضحى، واقتراب بدء العام الدراسي الجديد"، معتبراً أنه "لهذا كلّه تراجعت أولويات الشراء لدى الناس، حتى أصبح طبق الكعك ترَفاً على طاولة العيد".
في المقابل، تبدو أسواق الماشية أفضل حالاً، وفقاً لإفادة التجّار، حيث سُجّل إقبال على شراء لحوم الأضاحي من قِبَل المؤسّسات الخيرية، فيما أحجم عددٌ كبيرٌ من الأفراد عن شرائها، نتيجة تراجع مستويات الدخل. ولا يمكن تفسير هذا التردّي الاقتصادي بعيداً عن قراءة مؤشّرات البطالة في القطاع، والتي تجاوزت حدود الـ 60% وفقاً لآخر الإحصاءات، وخصوصاً أن الحرب دمّرت العشرات من المصانع والشركات المحلّية، ما أدّى إلى وصول عدد العاطلين عن العمل إلى 270 ألف شخصٍ، وفقاً لنقابة العمّال.
وفي هذا السياق، يلفت أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر، معين رجب، إلى أن الحرب ألقت بظلال سيئة على الواقع الاقتصادي المتردّي أصلاً في غزة، بسبب الحصار والإغلاقات المتكرّرة للمعابر. ويوضح أن تزامُن إغلاق المعابر مع تأخّر صرف شيكات الأُسَر الفقيرة من قِبَل وزارة التنمية الاجتماعية، وكذلك حجب المنَح القطرية بفعل تعنّت الاحتلال، كلّ ذلك قاد إلى تراجع الحركة الشرائية في أسواق القطاع. كذلك، يلفت إلى أن فئة كبيرة من الناس أصبحت تلجأ إلى شراء أضحية العيد بالتقسيط، لعدم قدرتها على دفع ثمن الأضحية مرّة واحدة.