رام الله | إلى كل الأحداث الممتدّة في عموم الضفة الغربية المحتلّة، تشكّل مجموعات «عرين الأسود» قلقاً أمنياً متنامياً لكيان الاحتلال، يعزّزه إصرارها على بثّ حالة وعي نضالي في الشارع الفلسطيني، ونموذجها المترفّع عن الفصائليّة، والذي يتبنّى عقيدة وحيدة: قتال الاحتلال. عقيدةٌ تخشى إسرائيل من أن «تُنبت» بفعل تأثيرها، خلايا مشابهة للمجموعة في مدن ومناطق أخرى، اقتداءً بالتجربة واستنساخاً لها. أمام هذا الواقع المعقّد، وفي ظلّ قصور السلطة الفلسطينية عن أداء مهمّاتها الأمنية، تتحسّب فصائل المقاومة في قطاع غزة لإمكانية لجوء العدو إلى التهرّب من مأزقه، عبر فتح نافذة تصعيد في القطاع، خصوصاً مع تقديره حصول الخلايا الناشئة في الضفة على دعم متزايد من الفصائل


باتت مجموعات «عرين الأسود» أهمّ مفاعيل حالة المقاومة الممتدّة في الضفة الغربية، من جنينها إلى قدسها، بعدما عزّز فعلُها المقاوم مكانتها، وبثّ حالة وعي نضالي في الشارع الفلسطيني، حيث تحظى المجموعة باحترام وتأييد كبيرين. وفي الميدان، تلتزم شريحة واسعة من الشبان والمواطنين بما يصدر من مواقف وتعليمات عن «عرين الأسود»، سواء لجهة تحديد أماكن التظاهر والمواجهة مع الاحتلال، أو حتى إشعال الإطارات لإرباك عمل الطائرات المسيّرة، وأخيراً الالتزام بالإضراب الشامل يوم الأربعاء الماضي لإسناد مخيّم شعفاط الذي حوصر من قِبَل قوات الاحتلال، فيما عُلّقت الدراسة في بعض الجامعات والمعاهد.
واجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، مساء السبت، وسم «كلنا عرين الأسود»، في ظلّ تصاعد عمليات المقاومة في الضفة والقدس المحتلّتَين، في ما مثّل تعبيراً عن التفاف الحاضنة الجماهيرية حول خيار المقاومة، ورفضاً لإغلاق عدد من مواقع التواصل الاجتماعي الحسابات الخاصة بالمجموعة، استجابةً لطلب سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وذلك بعد نشرها رسائل ومقاطع مصوّرة توثّق عملياتها الأخيرة. وعلى رغم مرور أشهر قليلة على تأسيس «عرين الأسود» في البلدة القديمة في مدينة نابلس، على أيدي الشهداء محمد العزيزي، وعبد الرحمن صبح، وإبراهيم النابلسي، والمعتقل لدى السلطة الفلسطينية مصعب اشتية، وضمّها تحت رايتها مقاتلين من كلّ الفصائل في نابلس ضمن نموذج جديد يترفّع عن الفصائليّة ويتبنّى عقيدة وحيدة هي قتال الاحتلال، نجحت المجموعة في كتابة اسمها بالرصاص والبنادق والعمليات الفدائية على الشوارع الالتفافية، حتى باتت تقضّ مضجع الاحتلال. وتخشى إسرائيل من أن تنجح المجموعة بترجمة تأثيرها على الأرض، عبر الدعوة إلى تشكيل خلايا مشابهة لها في مدن ومناطق أخرى، اقتداءً بالتجربة واستنساخاً لها، أو مساعدة بعض الشبّان على الانخراط في العمل المقاوم. وعن حجم تأثيرها على الأرض، اعتبرت «القناة 13» العبرية أن المجموعة «أصبحت تُهدّد أمن إسرائيل واستقرار السلطة الفلسطينية أكثر من جميع الفصائل»، وهي «لا تنجح في خلق سلسلة مستمرّة من الهجمات القاتلة فحسب، بل تشجّع وتدفع نحو العنف في جميع المناطق، في الضفة الغربية وحتى في القدس».

يواصل جيش الاحتلال حصار مدينة نابلس لليوم الخامس على التوالي


ومنذ بروز المجموعة، سعت إسرائيل إلى القضاء على قادتها وعناصرها، حتى لا تتحوّل إلى نموذج يمكن استنساخه في المدن الفلسطينية الأخرى؛ فشنّت عمليات اغتيال واعتقال واقتحامات لملاحقة عناصرها، لكن المجموعة، وبفعل الحاضنة الشعبية، استطاعت ضمّ مقاتلين جدد إلى صفوفها. وضمن خطط تصفيتها، كشفت «العرين» إحباطها خطّة إسرائيلية، فجر الخميس الماضي، كانت تقضي بإبادة مقاتليها أثناء المناورة التي قام بها جيش الاحتلال بعدما ادّعى أن المستوطنين اقتحموا قبر يوسف في المنطقة الشرقية لدفع المقاتلين للخروج والتصدّي لهم، لافتةً إلى أن مقاتليها كشفوا المخطّط بعد تأكّدهم من دخول أكثر من 40 سيارة من القوات الخاصة والمستعربين إلى محيط المنطقة، وانتشار القناصة في المكان لينقضوا على المقاومين لحظة وصولهم إلى المكان، متعهدة بأن «أيام الغضب» التي أعلنت عنها لم تبدأ بعد، وأنها ستضرب العدو في كل مكان وفي كل شارع وفي كل زقاق. وكشفت «العرين» أيضاً أنها سيطرت على طائرة مسيّرة سقطت في البلدة القديمة في مدينة نابلس، مشيرة إلى أنه جرى التعامل معها بحسّ أمني عالٍ.
وفي ضوء فشل الاحتلال في إنهاء ظاهرة «عرين الأسود» عسكريّاً، ونجاح المجموعة، الثلاثاء الماضي، في قتل جندي إسرائيلي قرب مستوطنة «شافي شمرون»، واستمرار عملياتها ضدّ الجنود والمستوطنين، قرّر وزير الأمن الإسرائيلي، بيني غانتس، إلغاء تصاريح الدخول إلى إسرائيل لـ164 شخصاً من أفراد عائلات منفّذي العمليات في محافظة نابلس. في الوقت ذاته، تواصل سلطات الاحتلال الضغط على السلطة الفلسطينية لإنهاء ظاهرة «عرين الأسود». ونظراً إلى عدم قدرة الأجهزة الأمنية على ملاحقتهم بالطريقة التي جرت سابقاً مع مصعب اشتية الذي فجّر اعتقاله غضباً شعبياً ومواجهات جرى تطويقها بصعوبة مع تعهد بعدم ملاحقة المقاومين، لجأت السلطة إلى خطوة أخرى لتحقيق مبتغاها، من خلال عرض حصول المقاومين على إعفاء من الاحتلال، في مقابل تسليم أسلحتهم والتوقّف عن تنفيذ العمليات، على أن يتمّ وقف ملاحقتهم وإلحاقهم بالأجهزة الأمنية. ومع رفض عناصر «العرين» عرْض السلطة، قالت صحيفة «إسرائيل اليوم»، إن مسؤولين فلسطينيين حذّروا عناصر المجموعة من أنه سيتمّ القضاء عليهم واغتيالهم من قِبَل إسرائيل في حال استمرّوا بتنفيذ عمليات. وقال المقاتلون: «لا يهمّنا الموت... كل فلسطيني اليوم أصبح هدفاً... الناس يُقتلون ببساطة بأفعال الجيش الإسرائيلي، مثل ما حدث لشيرين أبو عاقلة»، وأضاف التنظيم في رده: «إذا كان هناك شيء، فالأفضل لنا أن نموت في المعركة». من جهتها، كشفت «القناة 13» العبرية، أن غانتس أرسل إلى رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، رسالة شديدة اللهجة عبّر له فيها عن أن «عرين الأسود باتت تشكّل مصدر قلق للجانب الإسرائيلي الذي يعمل على جمع المعلومات عنها»، وأن «هناك 25 شخصاً يجب الوصول إليهم، بالاعتقال أو الاغتيال»، محذّراً عباس من أنه في حال لم تنهِ السلطة الأمر، فإن الجيش الإسرائيلي سيوسّع عملياته. وفيما يتّسع تأثير «عرين الأسود»، فإن انفجار الأوضاع في الضفة الغربية، يُنذر هو الآخر بتحوّله إلى هبة أو انتفاضة عارمة تغذّيها التطوّرات وزخم المواجهات الدائرة تحديداً في القدس، والتي تترافق معها عمليات المقاومة وإطلاق النار والزجاجات الحارقة والعبوات الناسفة المحلية الصنع على المستوطنين وجنود الاحتلال.
في هذا الوقت، يواصل جيش الاحتلال حصار مدينة نابلس لليوم الخامس على التوالي، حيث ينشر الحواجز كما السواتر الترابية على مداخلها. وفي هذا الخصوص، تعهّد مسؤول أمني إسرائيلي مواصلة حصار المدينة حتى إشعار آخر، في محاولة لتأليب الرأي العام والحاضنة الشعبية على مجموعة «عرين الأسود» التي تبنّت عملية «شافي شمرون»، وبدأ حصار المدينة في أعقابها. ولكنّ عمليات المقاومة لم تتوقّف، حيث استطاع مقاتلو المجموعة تنفيذ عملية إطلاق نار وإلقاء عبوة محلية الصنع على قوة قرب نابلس، إلى جانب عشرات عمليات رشق الحجارة والزجاجات الحارقة، بعد ساعات من استنفار كبير عاشته المنظومة الأمنية في منطقة وسط الضفة الغربية، بسبب إنذار كاذب عن تعرّض أحد المستوطنين لإطلاق نار قرب رام الله، وإصابته بجروح خطيرة.
وعلى وقع العمل المقاوم، أعلنت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية استمرار تأهُّب قواتها في الضفة إلى ما بعد انتخابات «الكنيست»، نظراً إلى «حجم الإنذارات المرتفع» لتنفيذ فلسطينيين عمليّات مسلّحة، في حين قال قائد الأركان الأسبق لجيش الاحتلال، غادي آيزنكوت، إن «التدهور الأمني الحالي في الضفة الغربية، هو الأخطر منذ انتهاء انتفاضة الأقصى عام 2005».