غزة | على رغم مرور ثماني سنوات على عملية «الناقلة المميتة» التي نفّذتها «كتائب القسام»، الذراع العسكرية لحركة «حماس»، فإن تلك المعركة التي أُسر فيها الجندي شاؤول آرون، لا تزال تَحفر أخاديد عميقة في ذاكرة لواء النُّخبة في الجيش الإسرائيلي، «غولاني»، حيث كشف قائد «الكتيبة 13» في اللواء، العقيد إيريز الكاباتس، أخيراً، عن قدْر التأزّم النفسي التي تركتْه الواقعة في نفسه، إذ وصف الكاباتس، الذي كان أعطى الإذن بالتقدّم البرّي شرق حيّ الشجاعية آنذاك، ليلة 12 تشرين الثاني 2014، بأنها كانت من «أصعب معارك الحرب»، مؤكداً أن تبعاتها ما فتئت حاضرة في ذهنه ومخيّلته حتى اليوم، كما أن الجنود الذين نجوا منها لم يستطيعوا تجاوُز آثارها، بل إن أحدهم أحرق نفسه العام الماضي.

«فخّ الموت» الذي دخلتْه قوّة النُّخبة الإسرائيلية بقافلة مكوَّنة من دبّابتَين وناقلتَي جند، بدأت حكايته عندما أصيبت الناقلة الأمامية التي تحمل تسعة جنود بخلل فني، استغلّه المقاومون لاستهدافها بعدد كبير من الصواريخ المضادّة للدروع، ما تَسبّب باحتراقها قبل أن يقترب المقاومون منها لخطف الجندي المصاب، آرون. عقب ذلك، اضطرّت الناقلة الثانية للهرب خوفاً من استهداف مماثل، فيما واجه الجنود صعوبة في مساعدة الجرحى. ويقول العقيد الكاباتس في شهادته إلى «القناة 12» العبرية: «لا أنام جيّداً في الليل، يومها عبرْنا السياج الحدودي، وفي غضون ثوانٍ قليلة، أصيب ضابط تحت إمرتي بجروح خطيرة، لدينا طاقم آخر انقلبت دبّابته، وتمّ إطلاق النار علينا من جميع الاتّجاهات باستخدام الهاون، والصواريخ المضادّة، وأسلحة القناصة». ويضيف واصفاً تأثير الموقف عليه: «لا تزال تدوّي في رأسي أصوات الحرب، ولا أزال أتخيّل ساحة المعركة أمامي طوال الوقت، لا أزال أَسمع الصراخ والنداءات والانفجارات، أنا ببساطة أرى المعركة أمام عيني مباشرة، يمكنني سماع الانفجارات والصواريخ المضادّة ونيران المدافع الرشّاشة طوال الوقت». ويتابع قائد «الكتيبة 13» في «لواء غولاني»: «أقلّ من 20 دقيقة، أوّل شيء أراه أمام عيني هو عربة مدرّعة محترقة سرْتُ في اتّجاهها، وعند مدخلها أرى صورة لا أرغب في أن يراها أحد لجنود محترقين، هذه صورة عالقة في رأسي حتى يومنا هذا».

الشهادات التي خرجت اليوم تهدف إلى التأكيد على «التضحيات» التي قدّمها الجيش


من وُجهة نظر المقاومة، فإن العملية التي تَسبّبت بمقتل نحو ثمانية جنود إسرائيليين وأسْر آخر، تركت مفاعيلها في وعي الجيش الإسرائيلي، إذ قضت على تهديد الدخول البرّي إلى قطاع غزة، وهو ما أثبتته معركة «سيف القدس» عام 2021، حين لجأ جيش الاحتلال إلى خطّة الخداع المعروفة بـ«مترو حماس» لتحقيق أهداف الاقتحام البرّي من دون تنفيذه. على أن الباحث السياسي، إسماعيل محمد، يرى أن الكشف عن تفاصيل صادمة - كتلك التي جاءت على لسان الكاباتس -، تمسّ بسمعة الجيش وتؤثّر في مستواه المعنوي، يحمل أبعاداً أخرى، موضحاً، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «إقرار لواء النُّخبة وقادته بأن كوابيس معارك غزة تُلاحقهم إلى اليوم، ومرور هذه الشهادات عبر مقصّ الرقابة العسكرية من دون اعتراض، يؤكّد أن ثمّة هدفاً أكثر أهمية من التأثير المعنوي السلبي». ويَعتبر الكاتب والمحلّل السياسي، أيمن الرفاتي، من جهته، أن «نشْر التفاصيل يأتي في سياق التمهيد للمعركة المقبلة التي ستندلع بين الجيش والكابينت، ولا سيما أن أكثر من نصف أعضاء حكومة نتنياهو المقبلة لم يخدموا أو خدموا لفترة قصيرة في الجيش وأبناؤهم ليسوا فيه»، مبيّناً، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «الشهادات التي خرجت اليوم تهدف إلى التأكيد على التضحيات التي قدّمها الجيش، وهي محاولة مسبقة لتثبيت استقلالية قرار المستوى العسكري ورؤيته المتعلّقة بالملفّات الكبيرة والمعارك والحروب التي قد تنشأ (...) يمكن القول بأن الجيش يريد صُنع رأي عام وخطوط حُمر أمام المستوى السياسي اليميني كي لا يدفع دولة الاحتلال إلى مغامرات خطيرة». وبحسب الرفاتي، فإن «الجيش يريد أن يوصل رسالة مسبقة بأنه لن يعتمد على قرارات هوجاء من مجموعة متطرّفة لم تَخُض القتال، ولا تعرف معنى إدارة المعارك الأمنية والعسكرية في ظلّ بيئة شديدة التعقيد».