عن أهداف الهجوم التدميري للعدو: وحده الميدان من سيحدّد المستقبل

وعلى رغم أن هذه الحملة تشير إلى أن التحالف المذكور، هو حالياً في موقع الهجوم، بل في ذروته، إلا أنها لا تعكس صورة الواقع كما هو، لا في الميدان، ولا في السياسة. لا بل يمكن القول إن التكتيك الذي يعتمده التحالف، وعنصر القوة الرئيس فيه هو التدمير والقتل، لا يساعد عملاءه على الترويج لسرديتهم، وإنما يستفز جمهور المقاومة المعبأ أصلاً بفعل الوحشية الإسرائيلية والدعم الغربي الذي يغطي جرائم لا تقبلها الطبيعة الإنسانية.
وتفيد تجربة إسرائيل، والغرب معها، بأنه ليس ثمة إمكانية لهزيمة المقاومة لا عسكرياً ولا خصوصاً كفكرة. وأما استهداف ما هو مكشوف منها، فحلّه في إعادة التنظيم والتخفّف مما يسهل استهدافه، والذي ثبت أن بعضه أثقال تبطئ العمل المقاوم، أكثر منه أجهزة رديفة تواكبها. أما من يحلم بهزيمة المقاومة، فهم الموتورون في الداخل، والذين ينطلقون في رغبتهم تلك من عقدة النقص الناجمة عن عمالتهم، في حين أن التحالف العسكري نفسه يعتبر التدمير هدفاً بذاته، بعدما استحال عليه على مدى سنين طويلة الوصول إلى كسر العداء له ولإسرائيل في هذه المنطقة. ولذلك، لن يكون معنياً بتغيير بنى سلطوية سبق أن جرّب تبديلها ومني بخسائر، وهو لا يملك أدنى مقومات للقيام بهذا حالياً، لاسيما في ظل تقلّص فجوة الخلافات في أوساط الجمهور العربي والإسلامي، والتحلّق الشعبي الكبير حول هدف صد العدوان، لما يحمله الأخير من مخاطر على جميع من في هذه المنطقة. ومن هنا، لن يكون ثمة دور للمهلّلين للحملة المعادية في مستقبل بلادنا، في أي حال من الأحوال.
أما الميدان، فاحتمالاته ما زالت فيه. وإذا كان تكتيك الدمار والقتل الذي يتبعه الاحتلال ليس سهلاً، لا على المقاومة، ولا على بيئتها، فإن الأصعب هو أن يولّد خيارات مفيدة للاحتلال. ذلك أن الهزيمة ليست خياراً مقبولاً بالنسبة لبيئة المقاومة، خاصة وهي ترى الموتورين المعبئين برغبة الانتقام يطلّون برؤوسهم حتى قبل أن تبدأ المعركة الفعلية. وتلك غزة ما زالت ترفض رفع الراية البيضاء، على رغم عام كامل من النهش في لحمها. بل هذه بيروت ما زال في الذاكرة كيف ودّعت المقاتلين الفلسطينيين بالدموع عام 1982، على رغم كل الدمار والمجازر والحصار آنذاك.
اليوم، ثمة جبهة مقاومة كاملة تسيطر على دول عديدة في هذه المنطقة، ذات جغرافيا ثبت أنها حاسمة. وحتى في لبنان، الذي يمثّل الهدف الرئيس الحالي للهجوم الإسرائيلي – الغربي – العربي، والذي يسعى التحالف المعادي إلى جعله خاصرة رخوة للمقاومة، أظهر أداء الأخيرة، ولاسيما عند محاولات الدخول البري للاحتلال، نضجاً أكبر استفادت فيه من سلسلة الضربات التي تلقتها قبل أن تبدأ المعركة. وما دام أي شيء أقل من القتال حتى النهاية ليس مقبولاً لأحد هنا، فإن ما ينتظر الجيش الإسرائيلي في لبنان هو خسائر سيثبت سريعاً أنه غير قادر على تحمّلها، ومزيد من القصف لمستعمراته، سيثبت له أنه لا يستطيع تحقيق أهدافه المعلنة، ولا المضمرة، باعتبار أن حكومة اليمين في إسرائيل تتعامل مع إعادة سكان الشمال، مثلما تتعامل مع استعادة الأسرى من قطاع غزة. إذ تقول إنها تريد تحقيق هذين الهدفين، غير أنها تعتمد سبلاً لا توصل إليهما.
ما يمكن قوله، في ضوء ما تقدم، إن التحالف الذي يهاجم المقاومة وأهلها، لديه هدف فعلي، لكنه يعلم أنه لا يستطيع أن يحققه، وهو القضاء على المقاومة؛ وآخر مضمر، وهو تدمير البنى العمرانية لبيئة المقاومة وتدفيعها ثمناً كبيراً في الأرواح والممتلكات، غير أنه يعرف أن هذا أيضاً لن يفيده كثيراً في فض الناس من حولها، وإنما يأمل في أن يعيق عملها ويردها إلى الخلف ولو إلى حين. ذلك بالضبط ما سيحدّده الميدان.
