يوم أمس، كانت جمعة فلسطين في صيدا. استعادت بوابة الجنوب زمن معروف سعد الذي ذهب منذ 80 عاماً إلى فلسطين لمواجهة العصابات الصهيونية، ثم جند المدينة لاستقبال اللاجئين عام 1948. في مشهد كان قد مر عليه الزمن، ارتفعت الرايات الفلسطينية في الشوارع. مشت صيدا عقب صلاة الجمعة إلى ساحة الشهداء للاحتجاج على قرار وزير العمل كميل أبو سليمان بفرض حيازة الفلسطينيين لإجازات عمل. ورغم أن الدعوة جاءت من الجماعة الإسلامية بالتنسيق مع إمام مسجد الشهداء الشيخ مدرار الحبال والجهاد الإسلامي وحركة حماس وهيئة علماء المسلمين والقوى الإسلامية في عين الحلوة ورابطة علماء فلسطين، إلا أن كافة الفصائل الفلسطينية والتنظيم الشعبي الناصري وحزب الله والقوى الوطنية الصيداوية لبت النداء. ملأت الحشود الساحة ومتفرعاتها، واستمعت إلى ممثل الجماعة بسام حمود وممثل الهيئة والرابطة الشيخ خالد العارفي وممثل حماس رأفت مرة.

بالتزامن، كانت مسيرة ضخمة تجوب شوارع عين الحلوة عقب انتهاء صلاة الجمعة. وفي مشهد لافت، توحدت فتح وحماس والفصائل الفلسطينية والشباب المسلم والعميد محمود عيسى «اللينو» (المحسوب على القيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان)، على تنظيم التحركات التي استمرت حتى الليل. وانتشر مسلحون عند مداخل المخيم، لمنع أيٍّ كان من الخروج. المسيرات الوحدوية تكررت في مخيمات صور، الرشيدية والبرج الشمالي والبص، وفي تجمع وادي الزينة، وفي مخيمات الشمال، حيث رفع المتظاهرون شعار «تجويعي يخدم صفقة القرن». وأكدت قيادات الفصائل أن «الانتفاضة» مستمرة إلى حين التراجع الفعلي والنهائي عن قرار وزير العمل. واجريت سلسلة اتصالات بين قادة الفصائل من جهة، والجيش والمدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم من جهة اخرى، لتفادي أي مخاطر امنية.
على صعيد آخر، أحصت لجان التجار في صيدا وصور الخسائر في الأسواق التجارية اللبنانية، لا سيما المسالخ وحسبة الخضر، بأكثر من مليار ليرة في الأيام الأربع الماضية. وبدا لافتاً الإلتزام التام بالإضراب في المخيمات، ما عدا إدخال الخبز والخضر من أفران وسهول الرشيدية التي لا تزال تؤمّن «اكتفاءً» لمخيمات صيدا وصور وتجمعاتها التي يقيم فيها نحو 170 ألف لاجئ.

موقف الحريري ليس بعيداً عن موقف حزب الله وأمل


سياسياً، سجل فجر أمس وصول القيادي في حماس عزت الرشق موفداً من رئيس المكتب السياسي للحركة اسماعيل هنية «لمتابعة تداعيات الإجراءات الأخيرة لوزارة العمل»، بحسب ما جاء في البيان الإعلامي للحركة. زيارة الرشق أعقبت مغادرة مسؤول الساحة اللبنانية في حركة فتح عزام الأحمد، الذي اقتصرت تحركاته على «إعلان الثقة بالحكومة اللبنانية لتحل المسألة ضمن لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني». وكان من المنتظر أن يلتقي الاحمد لجنة العمل الفلسطيني في لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني، للخروج بموقف جامع، لكنه استعاض عن ذلك باجتماع مع قادة فتح ومنظمة التحرير في لبنان.
على صعيد متصل، أكدت مصادر مواكبة للقضية بأن «الرئيس نبيه بري وقيادة حزب الله توافقا على ضرورة إنهاء الأزمة في أسرع وقت». وأبلغ بري قيادات الفصائل الفلسطينية والسفير الفلسطيني في بيروت أشرف دبور بأن رئيس الحكومة سعد الحريري سيتكفل قريباً بالإعلان عن مخرج للتراجع عن قرار أبو سليمان. وتبين وجود انسجام واضح في المواقف بين كل من حزب الله وحركة امل وتيار المستقبل. وعكَس الحريري هذا الانسجام فورا عبر سحب الملف من يد وزير العمل ووضعه في عهدة الحكومة، وابلغ ذلك بشكل رسمي للفصائل الفلسطينية ورئيس لجنة الحوار الوزير السابق حسن منيمنة. كذلك وُضع رئيس الجمهورية ميشال عون في اجواء الاتصالات والتحركات في المخيمات الفلسطينية، ليتبيّن ان موقفه لا يبعد كثيراً عن مواقف حزب الله وامل والحريري، في ظل حياد واضح من وزير الخارجية جبران باسيل بمعزل عن زيارته الى الولايات المتحدة الأميركية.
في المقابل، يبدو رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع وحيدا، خصوصا مع محاولاته التصويب على حزب الله وحماس من خلفية امنية، واللعب على الحساسيات الفلسطينية الداخلية. موقف رئيس الحكومة المتزامن مع تحركات شعبية لبنانية مؤيدة للفلسطينيين في الطريق الجديدة وصيدا، وسحب الملف من بو سليمان، وضعا جعجع في موقف صعب، على الرغم من تغطية عزام الاحمد له وحديثه عن حق وزير العمل في تنفيذ القانون، رافضاً التحركات الشعبية الفلسطينية.
قانونياً، لم يطرأ اي تعديل على قرار بو سليمان، الذي أدلى بمواقف تصعيدية في مقابلته اول من امس على قناة «ام تي في». ولم يتضح بعد الاتجاه الذي ستسلكه الحكومة لمعالجة هذه الازمة، لكن من المؤكد ان حملات بو سليمان على العمال الفلسطينيين ستتوقف، لحين إيجاد حلول في مجلس الوزراء. ويجري العمل لتهدئة التحركات الشعبية الفلسطينية بدءاً من اليوم.