قد يكون من المحق القول إن الظلم لحق ببعض مَن شملتهم التعيينات المالية والإدارية في جلسة مجلس الوزراء الأربعاء الفائت، وبينهم مَن يملك سيرة مهنية لائقة مقدّرة وكفية. بيد أن تخريج تعيينهم أحال ما حدث أقرب إلى فضيحة. سارع الأفرقاء السياسيون، ظهير حكومة الرئيس حسان دياب، مباشرة ومداورة، إلى الكشف عن انتماء الموظفين الكبار الجدد الى تياراتهم وتنظيماتهم، كي يوجهوا رسالة فصيحة اليه، كما الى الداخل والخارج في آن، مؤداها أن «المعادلة» التي تختبئ وراء رئيس الحكومة، هي التي تحكم باسمها.

على نحو مناقض لتحرير دياب التعيينات المالية والإدارية، جمّد رئيس الجمهورية ميشال عون التشكيلات القضائية. كلتا التعيينات والتشكيلات متشابهة المسار والمواصفات الى حدّ التطابق، وكذلك لاعبوها من وراء الستارة. من دون الأخذ في الاعتبار ما يرضي المرجعيات الرئيسية في البلاد، بدا من المتعذّر على مجلس القضاء الأعلى إبصار التشكيلات النور لديه، قبل ذهابها الى وزيرة العدل ماري كلود نجم، ثم الى موقّعي المرسوم الثلاثة، ورابعهم آخرهم رئيس الدولة. احتاج إخراج التشكيلات القضائية، وفق ما أسرّ به رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود، الى استرضاء المدعي العام التمييزي غسان عويدات ـــ إذ من دون توقيعه لا تصدر ـــ وإلى الاستعانة بعدد من القضاة أعضاء المجلس الوثيقي الصلة بمراجع سياسية، لترتيب مجموعة تسويات منفصلة، أتاحت صدور التشكيلات عن المجلس أولاً، فاصطدمت بالوزيرة، ثم جمّدها رئيس الجمهورية مستخدماً الصلاحية الدستورية المنوطة به.
في جلسة مجلس الوزراء الأربعاء بدت مروحة المحاصصة في التعيينات المالية والإدارية أوسع، أكثر عدالة، للأفرقاء الرئيسيين وتقاسمهم إياها كي يصير الى إمرارها، وإن معدّلة ببعض الأسماء. الأمر الذي سيبقى متعذّراً حيال تشكيلات قضائية دخلت مأزقاً مربكاً: لا مجلس القضاء الأعلى قادر على التراجع عن إصراره عليها لئلا يسيء بنفسه الى سمعته وهيبته ولئلا يقرّ بسوء التقدير والخطأ المحتمل حتى، ولا رئيس الجمهورية في وارد التنازل عن توقيعه للقبول بها كي لا يُنعت وحزبه بأنهما ذهبا الى السوق من غير أن يشترِيا أو يبيعا. في كلا الحالين، من السذاجة الاعتقاد بأن ثمة قضاة ـــ متقدّمي الصفوف والمحظيين ـــ أقل ولاء وانتماء الى المراجع السياسية من المديرين العامين.
ما أفضى اليه امتحان تعيينات الأربعاء، أن حكومة دياب قدّمت دليلاً إضافياً على أن وظيفتها أن تكون ظلاً وارفاً لأولئك الذين يحكمون من أمامها ومن ورائها، من غير أن يحتاجوا الى الجلوس على مقاعدها:
1 - خلافاً لما أُوحِي به، لم تكن التعيينات المالية والإدارية إنجازاً، بقدر ما هي واجب ناجم عن شغور في هذه الوظائف. لم يسع الحكومة إقرارها دونما توزّع حصصها، في وقت لم تضع موضع التنفيذ أياً من البنود التي اقترحتها في خطتها الإصلاحية الاقتصادية. لعل اختبار التعيينات التي نظر اليها رئيس الحكومة على أنها جزء لا يتجزأ من الإصلاحات المتوخاة، بالطريقة التي أخرجها مجلس الوزراء، تشير الى استعصاء حصول إصلاح لا يكون على صورة الطبقة الحاكمة نفسها. ما دام لا تعيينات ـــ التي ليست سوى زرع رجال الطبقة هذه في مواقع الإدارة والسلطة ـــ إلا على هذا النحو، فلا إصلاح إلا على صورتها وبأدواتها. لذا يتعذّر شطف الدرج بالمكنسة الوسخة.
2 - يكاد يصح القول إن الوحيد من داخل الحكومة نال حصة هو رئيسها، الآتي ـــ وهو ما افترض سبب ترؤسه إياها ـــ من عالم بعيد عن المعادلة السياسية القائمة. خلافاً لوزراء حكومته الذين يمت كل منهم بصلة مباشرة الى الفريق الذي سمّاه، وحده دياب بدا أنه سيد نفسه. ليس من نادي الرؤساء السابقين للحكومة، ولا هو حليفهم إن لم يكن الخصم الذي يجتمعون عليه. ما عُدّ فضيلته أنه لم يكن في طاقم العقود الثلاثة المنصرمة الذي راكم أسباب الانهيار الحالي الى أن انفجر. ليس فاسداً، ولا ملوّثاً، ولا مجرَّباً في لعبة استيعاب «المعادلة» الموروثة من السوريين منذ عام 1992. أضف أن المهمة المعهودة اليه وحكومته لمّ أوساخ العقود المنصرمة من تحت السجادة وفوقها. لذا ظهر كنقيض مفضّل ليس للرئيس سعد الحريري فحسب، بل لكل ما مثّلته الحريرية السياسية ما بين عامَي 1992 و2005، في ظل تحالفها مع سوريا، كمدرسة سياسية وبرامج اقتصادية.
أشاع دياب عنه هذا الامتياز عندما حاول فرض معاييره لتأليف حكومته ومواصفات وزرائها، وحينما انخرط على نحو لم يجرؤ عليه أيّ من أسلافه في مواجهة مباشرة مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة فوصف أداءه بـ«المريب» قبل أن يتراخى أمامه ويتصالحا وإن الى حين، ثم عندما أصرّ على الولوج الى الأرقام السرّية لمصرف لبنان والدخول الى محاسبة دفاتره. كذلك رفضه إقرار التعيينات المالية في نيسان لأنها لا تشبهه، ثم انصاع لها. لم يكتفِ رئيس الحكومة في جلسة الأربعاء بالتسليم بحصص «المعادلة»، بل انضم اليها وحاز حصته.
3 - بدا من الواضح أن تجربة الشهور الأربعة المنصرمة، في عمر حكومته، كانت كافية لوصوله الى الاستنتاج الذي توقّعه له، منذ اليوم الأول، داعمو وصوله الى السرايا: إما أن يحكم بأشباحهم أو يتنحى. منذ اليوم الأول أيضاً أظهر الرجل بدوره عزماً وإصراراً على عدم الاستقالة، أياً تكن وطأة الضغوط من داخل طائفته أو خارجها، لئلا يخسر فرصته الاستثنائية.

ما بين نيسان وحزيران سلّم رئيس الحكومة بأن لا تعيينات إلا التي تقرّرها «المعادلة»

ولأنه أخرج أي احتمال للاستقالة من حسابه، يتصرّف على أنه في صدد مواجهة علنية دائمة، لدعم خطته الإصلاحية المالية، مع مصرف لبنان وجمعية المصارف، ملاقياً اقتراح صندوق النقد الدولي ـــ وهو ما جسّدته الخطة بالذات ـــ على أن المطلوب أولاً تحقيق وضع الخسائر أولاً على الطاولة، على أن يتحمّل وزرها مصرف لبنان وجمعية المصارف. في مواجهة سلامة لم يتردّد، في ذروة الخلاف معه، في التشجيع على إقالته، وسمّى مرشحاً أولَ هو مستشاره الاقتصادي جورج شلهوب، ثم جسّ في ما بعد النبض في اسم سمير عساف مرشحاً للحاكمية.
النزاع مع جمعية المصارف ليس أقل وطأة. منذ نهاية آذار الماضي تطلب منه موعداً لاستقبالها فلم يحدده لها، الى أن دعاها الى جلسة مجلس الوزراء أمس. لم تكن الجمعية في وارد الحضور لولا جهود المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، الوسيط على خط الحوار بين دياب والجمعية وسلامة. استجابت في اللحظات الأخيرة رغم تمسكها، استناداً الى ما تنقله الى دياب، برفضها الخطة الإصلاحية المالية إذ اعتبرت أنها وُضعت بلا تشاور معها، ولم يؤخذ باقتراحاتها للخطة البديلة، فيما يُدعى القطاع الذي أقرض الدولة الى تلقّف الوزر الأكبر في تصفية الخسائر لإنقاذ ديونها.