عملياً، يبدأ اليوم الفصل الأخير من مسرحية اعتذار الرئيس المكلف سعد الحريري. قبل الزيارة التي يُفترض أن يحمل فيها الى رئيس الجمهورية ميشال عون تشكيلة حكومية، أُعلن عن إطلالة تلفزيونية له عبر تلفزيون «الجديد»، مساء الخميس، بعنوان «سعد الحريري من دون تكليف»! هي تشكيلة يعرف الحريري أنها مرفوضة سلفاً من رئيس الجمهورية، ليس فقط لأنها تتضمن أسماء وزراء مسيحيين وضعها هو، وليس لأنها تفتقد إلى وحدة المعايير، وإنما أيضاً لأن الحريري، بحسب مصادر بعبدا، سيتراجع فيها عما تم تذليله من عقبات في الشهور الخمسة الماضية. هي، إذاً «تشكيلة للقول إننا شكّلنا» على طريقة «الفنّ للفن». وحتى مع الافتراض جدلاً بأنها ستلقى قبولاً من رئيس الجمهورية، إلا أن الرفض سيأتي من الأطراف الأخرى التي تبرّع الحريري بوضع أسماء وزرائها أيضاً. ناهيك عن أن الأجواء التي أشاعها الرئيس لدى الأميركيين والفرنسيين وغيرهم بأنه سيقدم «تشكيلة مقبولة... ولنر ماذا يقرر الرئيس»، لم تنطل على هؤلاء. إذا أن الموفد الفرنسي باتريك دوريل كان أمس يسأل الذين التقاهم عن «بديل الحريري».

ولكن هل يفتح الاعتذار باب الحلول؟ بحسب المصادر، «لا يبدو الأمر كذلك، إذ ان الرجل ذاهب بنفس غير تصالحي. وهو رفض طلب الرئيس نبيه بري، منذ أسبوعين، الاتفاق على خلف له بالتكليف»، مشيرة الى أنه «على الأرجح يريد تكرار تجربة والده عندما رفض تكليفه تأليف الحكومة عام 1998، وذهب لتحضير الانتخابات النيابية تحت شعار صلاحيات رئاسة الحكومة السنية».

من المفترض أن يزور الحريري قصر بعبدا فورَ عودته من القاهرة اليوم


في المحصلة، يبدو أن الحريري حسمَ خياره… إلى الإعتذار در. ووسطَ تضارب في المواعيد التي تحدَّد للقائه مع رئيس الجمهورية، علمت «الأخبار» أنها تقررت بعدَ ظهر اليوم فورَ عودته من القاهرة حيث يلتقي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وهو كان قد طلب من المصريين تقديم موعدها إلى اليوم. وفي هذا السياق، أشارت مصادر على تواصل مع الحريري، كما مع القاهرة، إلى أن «الجو المصري يوحي بأن السيسي لن يثني الرئيس المكلف عن الإستقالة بعدَ أن فشلِت الجهود في تسويقه بالشراكة مع الفرنسيين، وأن الحريري يعلَم ذلِك، وحتى لو كانت هناك طلب من الجانب المصري بتأجيل الإعتذار فإن الحريري لن يتراجع عن قراره، بعدَ أن اقتنع باستحالة وجود فرصة للتأليف». حتى محاولات رئيس مجلس النواب نبيه بري إرجاء الإعتذار، ربطاً بخريطة طريق تحدد البديل وشكل الحكومة وبرنامجها لم تعُد تجدي نفعاً، فالبديل «لم يُتفق عليه، لأن الحريري حصره بأسماء من نادي رؤساء الحكومات، فرفض تمام سلام بينما لم يتخذ نجيب ميقاتي قراره، بحجة أنه لا يستطيع أن يحقق شيئاً ما دامَ الخارج لن يساعد لبنان، والداخل - تحديداً الطائفة السنية - لن يغطّيه». وبحسب مصادر مطلعة «لا يزال يجري البحث عن شخصيّة بديلة عن الحريري لتأليف الحكومة في الكواليس، تحديداً بينَ بري والحريري، وأن اسم ميقاتي يتقدّم من دون أن يكون محسوماً، مع التمسك بشرط أن يحظى هو أو أي إسم آخر بغطاء الرئيس المكلف، كي لا تُفسّر هذه الخطوة استفزازاً للشارع السني»، فتتكرر تجربة الرئيس حسان دياب. وبحسب مصادر مطلعة على مفاوضات التأليف، فإن أسهم ميقاتي ترتفع، خصوصاً أنه يتحدّث عن احتمال عدم خوض الانتخابات النيابية المقبلة في مطلق الاحوال، ما يعني أنه مرشّح لترؤس حكومة تكون مهتمها إجراء الانتخابات. ومما قد يشجّعه على قبول «المجازفة»، وعود فرنسية وأوروبية وقطرية ومن دول اخرى، بتقديم مساعدات للبنان في حال تأليف حكومة «توحي بالثقة وتلتزم تطبيق برنامج إصلاحي». لكن تحقيق هذه الوعود غير مضمون، ربطاً بغياب الضمانات الداخلية التي تسمح لميقاتي، أو غيره، بتأليف حكومة سريعاً.
ويرفض بري مسبقاً «تسمية أي شخصية من الذين سعى عون وجبران باسيل لتسويقهم سابقاً». كما يجري البحث في شكل الإعتذار وتوقيته. هل يفعلها الحريري من «بيت الوسط» أو «بعبدا»؟ هل يُقدِم عليها من دون أن يرفَع تشكيلته النهائية إلى الرئيس عون أم يذهب بها ومن ثم يعتذر عن التكليف؟ علماً أنه «ليسَ ميّالاً الى ذلك، إلا أن بري يفضّل تقديم صيغة نهائية».

الرئيس المصري لن يُثني الرئيس المكلف عن الإستقالة


وأمس، كانَ لبنان يُعايِن حركة الموفدين الفرنسيين الذين لم يتوقفوا منذ فترة عن التهديد بفرض عقوبات على المسؤولين الذي «يُعطّلون تشكيل الحكومة»، بعدَ استحصال موافقة الإتحاد الأوروبي على القرار بالإجماع. وهي حركة بدأت صباحاً مع وزير التجارة الفرنسي فرانك ريستر الذي استهل جولته من مرفأ بيروت، والتقى عون كما «اجتمع بطلاب ورجال أعمال لبنانيين للاستماع إلى تطلعاتهم، ومناقشة مستقبل النموذج الاقتصادي للبلاد» بحسب بيان السفارة الفرنسية في بيروت. وقد بدأ الموفد الفرنسي، المستشار في قصر الإليزيه، باتريك دوريل زيارته أمس والتقى الرئيس الحريري، وكان له لقاء آخر مع رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، وبحث معهما في الأوضاع السياسية وتطورات الشأن الحكومي. وكانَ لافتاً، أمس الإتصال الذي تلقاه باسيل من نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، شدد فيه على «الضرورة القصوى للإسراع في تشكيل حكومة قادرة على الإصلاح وعلى وقف الانهيار»، تبعه بيان من وزارة الخارجية الروسية شددت فيه على أن «التدخل الخارجي في الشؤون اللبنانية غير مقبول ويأتي بنتائج عكسية». وردّت في بيانها على الإتحاد الأوروبي مؤكدة أن «التهديد باستخدام العقوبات يقوّض مبادئ وحدة لبنان».
من جهة أخرى، تتفاعل قضية التحقيقات في ملف تفجير مرفأ بيروت. ففيما لا تزال السلطة السياسية تُصر على تعزيز الحصانات التي تحمي الذين يريد المحقق العدلي الادعاء عليهم، تتصاعد تحركات أهالي الشهداء الذين نفذوا أمس مسيرة سيارة انطلقت من ساحة الشهداء وجابت شوارع العاصمة، للمطالبة بكشف حقيقة من قتل أبناءهم. وحمل الأهالي في مسيرتهم عدداً من النعوش وساروا بها باتجاه منزل وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي. ولدى وصولهم إلى هناك، تمكّنوا من اجتياز الحاجز الفاصل الذي تقيمه عناصر قوى الأمن الداخلي في المنطقة، واستطاعوا الوصول إلى محيط منزل وزير الداخلية، متهمين فهمي بـ «الكذب». كما اشترطوا على الأخير رفع الحصانة عن المدعى عليهم في قضية انفجار المرفأ مقابل إيقاف تعرضهم للمبنى. وأعلنت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي عبر «تويتر» أنه «أثناء قيام عدد من اهالي شهداء المرفأ بالاعتصام أمام المبنى الذي يقطن فيه وزير الداخلية والبلديات العميد محمد فهمي، حضرت مجموعات اخرى الى المكان وقاموا بتكسير مداخل المبنى والاعتداء المفرط على عناصر قوى الامن الداخلي، وبعد وقوع اصابات وجروح مختلفة عديدة في صفوف العناصر، أعطيت الاوامر باخراجهم من المكان». وأضافت: «إن ما نقوم به هو واجبنا القانوني في حماية الممتلكات العامة والخاصة».