لم يكن عابراً، بالتزامن مع تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، الإعلان «الإسرائيلي» المُباغِت عن توقيع عقود حفر وتنقيب مع شركة «هاليبرتون» الأميركية في منطقة يعتبرها لبنان «متنازعاً عليها». وفيما لم تعرَف بعد الغاية من توقيت الإعلان، تبقى العين على المسار الذي ستتبعه الدولة في مواجهة هذا التعدّي. الخطوة الأولى، تولّتها وزارة الخارجية اللبنانية، وتمثّلت بـ «التواصل مع مندوبة لبنان الدائمة في الأمم المتحدة أمل مدللي، ودول أخرى تدعم المباحثات البحرية، للتأكد من أن عقد الشركة لا يقع في منطقة متنازع عليها». فماذا بعد؟

من دون أدنى شكّ، ثمّة قطبة مخفية لم تتّضح خيوطها بشأن هذا الملف. كما لم يتبيّن حتى الآن، ما إذا كان ترسيم الحدود ووضع الثروة النفطية للبنان كانا على مائدة المفاوضات السرية التي سبقت تشكيل الحكومة. المُعلَن وحسب، أن الدولة اللبنانية بدأت سلسلة اجتماعات يعقدها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أولاً مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الخارجية عبدلله بو حبيب، وثانياً مع الوفد العسكري المفاوض في الناقورة. آخر هذه الاجتماعات، ترأسه عون أمس مع العميد الركن الطيار بسام ياسين وعضوي الوفد العقيد الركن البحري مازن بصبوص وعضو هيئة إدارة قطاع البترول المهندس وسام شباط، في حضور المستشار الأمني والعسكري لرئيس الجمهورية العميد الركن بول مطر. بحسب البيان الرسمي «سلم الوفد الرئيس عون تقريراً يتضمن مراحل المفاوضات منذ انطلاقتها واستراتيجية متكاملة للمرحلة المقبلة، بما يضمن مصلحة لبنان العليا في المحافظة على حقوقه في ثرواته في المنطقة الاقتصادية الخالصة».
بحسب معلومات «الأخبار»، فإن التقرير الذي تسلّمه عون من الوفد المفاوِض «فصّل مسار المفاوضات منذ انطلاقِها، حتى وقت تعليقها، إضافة إلى الخطة الإستراتيجية التي يجِب على الدولة أن تتبعها للوصول إلى حلّ عادل ومنصف». كما أجاب التقرير «عن كل الهواجس التي طرحتها القوى السياسية سابقاً عن تداعيات تعديل المرسوم 6433، حيث تساءلَ البعض عن إمكانية أن يؤدي ذلك التعديل إلى حرب، أو أن يدفَع الشركات التي تعمل في البلوكات المحتلّة إلى مقاضاة لبنان، أو يأن ستغلّ العدو الإسرائيلي مثلاً التعديل لطرح خطوط جديدة كالخط 310». هذه الأمور وغيرها، جرت مناقشتها مع الرئيس عون، إلا أن أهم نقطة جرى التركيز عليها، هي «تأليف حكومة جديدة، وهذا الأمر يعني أن أمر المرسوم لم يعُد بحاجة إلى توقيع استثنائي، لأن الملف برمتّه انتقل إلى عهدة الحكومة الأصيلة»، وأكد الوفد أن «على الحكومة أن تطرحه عاجلاً على جدول أعمالها»، معتبراً أن «لا تبرير لعدم طرحه، لأنه ملف استراتيجي – اقتصادي».

المرسوم لم يعُد بحاجة إلى توقيع استثنائي والملف انتقل إلى عهدة الحكومة الأصيلة


في موازاة الاجتماعات، ينتظِر لبنان ردّ الأمم المتحدة على الشكوييْن اللتين أرسلهما إليها، وهما تحملان المضمون نفسه، مع بعض التعديلات اللغوية بسبب اعتراض بعض الجهات على الشكوى الأولى. حتى الآن، لم يصِل جواب إلى وزارة الخارجية التي تعتبِر أن الرد سيكون واحداً من اثنين:فإما أن تعتبر الأمم المتحدة بأن التدقيق بمكان الحفر ليس من اختصاصها، أو أنها ستعود إلى المرسوم 6433 وتقول بأن الأعمال التي يقوم بها العدو الإسرائيلي تقع جنوب الخط 23، بالتالي ليس هناك من اعتداء على المياه الاقتصادية للبنان، وليس للبنان الحق في الشكوى».
ووسطَ هذه المشهدية، والانقسام بشأن تعديل المرسوم 6433 وإيداعه لدى الأمم المتحدة للقول بأن الخط 29 هو الخط الرسمي الذي يعتمده لبنان، لا بدّ من الإشارة إلى أن هذا التعديل صار من صلاحية الحكومة الجديدة، لا رئيس الجمهورية وحده، والتي مِن المفترض أن تأخذ هي القرار مجتمعة، وما إذا كانَ لبنان سيذهب إلى تعديل المرسوم أو الإبقاء على المرسوم الحالي الذي يقول بأن الخط 23 (860 كيلومتراً مربعاً) هو الخط المعتمد رسمياً. وبما أن الملف تابع لوزارة الأشغال، فمن المفترض أن يتقدّم وزير الأشغال علي حمية باقتراح لوضعه على جدول الأعمال، أو أن يطرحه رئيسا الجمهورية والحكومة من خارج الجدول على طاولة مجلس الوزراء. وفي هذا الإطار، قال حمية لـ «الأخبار» إنه طلبَ الملف كاملاً أمس «للإطلاع عليه وقراءته بتمعّن، وخلال 48 ساعة سأكوّن رؤية قانونية حوله، وبناء عليه أتخذ الإجراءات اللازمة».



التمديد لرئيس الوفد المفاوض
علمت «الأخبار» أن قائد الجيش العماد جوزيف عون رفعَ كتاباً إلى وزير الدفاع موريس سليم يطلب فيه التمديد التقني – الاستثنائي ستة أشهر لرئيس الوفد العسكري المفاوض العميد بسام ياسين الذي يُحال إلى التقاعد في تشرين الأول المقبل. وفيما أبدى وزير الدفاع موافقته المبدئية على هذا الطلب، يبقى التوقيع بانتظار القرار السياسي من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي وُضِع في جو أن التمديد استثنائي ومرتبط بالمفاوضات حول ترسيم الحدود لا أكثر، بخاصة أن اتفاق الإطار ينصّ على أن يكون الوفد عسكرياً كي لا تُعطى المفاوضات أي طابِع مدني وتُفسّر في ما بعد وكأنها شكل من أشكال التطبيع.