يمكن الموارنة في لبنان والاغتراب الاطمئنان. لن تجرؤ الشياطين على الاقتراب من الصرح البطريركي في بكركي، حيث يفتتح 38 مطراناً مساء اليوم خلوتهم لانتخاب البطريرك السابع والسبعين للطائفة المارونية. وليست صلوات المطارنة التي ستُستهل الخلوة بها هي كل ما يخيف الشياطين. فالأخطر بالنسبة إلىها هو النائب السابق فريد هيكل الخازن الذي يحرس الدير الذي بدأ بناءه عام 1703 الشيخ خطّار الخازن (أصبح الدير كرسياً بطريركياً عام 1823).


فانتخاب البطريرك سبقه في اليومين الماضيين انشغال الكسروانيين والخازنيين خاصة بمعرفة من سيحيي تقليد حراسة بكركي أثناء خلوة المطارنة.
حاول آل حبيش إقناع البطريرك المستقيل نصر الله صفير بأن يؤيّد حراستهم هم، لا آل الخازن. وسعى جوان حبيش وبديع حبيش إلى هذه الغاية، لكن التقليد بقي على حاله: اثنان من آل الخازن يحرسان بكركي. والخازنيون ينقسمون مجموعتين ناخبتين: واحدة في غسطا (ضمناً مَن ينتخبون في جونية) والأخرى في عجلتون (ضمناً مَن ينتخبون في البلدات المجاورة لعجلتون مثل ريفون وبقعقوتا وكفرذبيان وبقعاتا وحراجل). حسمت المجموعة الأولى خيارها لمصلحة النائب السابق فريد هيكل الخازن، أما الثانية فانقسمت بين مرشحين يودّان الحراسة: النائب فريد الياس الخازن والسفير السابق أمين الخازن. ولأن النائب السابق يسعد بخسارة النائب الحالي معركة داخل العائلة تؤكد أن فريد هيكل لا فريد الياس هو مَن يمثل الخازنيين، شجع الأخير على حصول انتخابات داخل العائلة. أحصي الناخبون في عجلتون وجونية، فتبيّن أن عددهم 81 ناخباً. واللافت أن اللوائح الانتخابية لآل الخازن تضم الرجال فقط (لا يحق للخازنيات الاقتراع) الذين تجاوزوا الثامنة عشرة. ولكن، مع محاولة فريد الياس التهرب من الانتخابات، رعى أنصار فريد هيكل تسيير عريضة على الناخبين، اختار بموجبها 57 خازنياً السفير السابق أمين الخازن الذي هو ابن الشيخ كسروان الخازن لحراسة بكركي، بينما أيّد 16 فقط النائب فريد الياس الخازن، وآثر 10 خازنيين عدم التدخل. وهكذا، فاز فريد هيكل الخازن بالمعركة: لن يعطى فريد الياس الخازن، الذي أخذ المقعد النيابي من فريد هيكل، شرف مقاتلة الشياطين، الأمر الذي أثار استياء النائب فريد الياس الخازن الشديد، بينما ينوي النائب السابق الذهاب أبعد في المهمة التاريخية الملقاة على عاتقه، إلى حدّ توقع بعض المقرّبين منه ذهابه إلى بكركي اليوم حاملاً الفرشة ليحمي المجتمعين في الصرح من الشياطين، ليلاً كما في النهار.
هذا على صعيد الحراسة، أما على صعيد الانتخابات، فقد تأكد ما أشارت إليه «الأخبار» سابقاً عن تغيّب المطرانين جون شديد وأسطفان الدويهي الموجودين في الولايات المتحدة الأميركية، وذلك لأسباب صحية. وتقرر الاستعانة بخدمات بعض الممرضات (يرجّح أنهن راهبات) للاهتمام بالمسنين والمرضى، مثل المطران أنطوان حميد موراني، في ظل معلومات لم تتأكد صحتها عن عدم قدرة المطران غي نجيم (مواليد 1935) على المشاركة لأسباب صحية طارئة. ويشار هنا إلى أن نجيم كان يعدّ من أقوى المطارنة وأكثرهم حظاً لخلافة صفير. فالنائب البطريركي على أبرشية صربا، منذ رسم مطراناً عام 1990 يحظى باحترام مميّز وسط زملائه، وتقدير جميع القوى السياسية. وقد أدى تدهور صحته عشية قبول الفاتيكان استقالة صفير إلى إرباك لكل من: العماد ميشال عون الذي آثر عدم التدخل بين المطارنة لاعتقاده أن خلافة نجيم الذي يقدّره تحصيل حاصل. الفاتيكان وجد في تجربتي نجيم في مؤسستي كاريتاس وتجمع النور الذي أسسه ما يستحق الرهان عليه لمأسسة الكنيسة المارونية. كذلك ارتاح إليه بعض المطارنة الذين يبحثون عن بطريرك معتدل يعطي ما لله لله وما لقيصر لقيصر. وبالتالي، إذا شارك نجيم، فستتألف الهيئة الناخبة للبطريرك الجديد من 38 مطراناً أو يغيب نجيم فيكون العدد 37 مطراناً.
الأهم، وما يفترض ترقّب إقفال الأبواب لمعرفته، هو وجود وديعة أو رسالة فاتيكانية أو عدم وجودها. ففي عام 1955، كان المطارنة الراغبون في خلافة البطريرك عريضة كثراً، وإذا بهؤلاء يفاجأون بالمدبر البطريركي يقرأ لهم، فور إغلاق الأبواب، رسالة من البابا بيوس الثاني عشر، يسمّي فيها المطران بولس المعوشي بطريركاً، علماً بأن الرسالة في حال وجودها ستكون مع البطريرك صفير، ويفترض أنه لا أحد غيره من اللبنانيين يعلم بها. وفي حال وجودها، ثمّة مَن يقول إن الكرسي الرسولي قد يطلب فيها من المطارنة مباركة واحد من اثنين: المطران بشارة الراعي أو المطران أنطوان سويف، مع أرجحية للأول نتيجة علاقاته القديمة الوطيدة بالكرسي الرسولي، وأدائه الناجح في إدارة عدة مؤسسات، مقابل نقطة ضعف وحيدة هي مجيئه من الرهبانية المريمية المارونية (قلة قليلة من المطارنة يكونون رهباناً والأكثرية هم كهنة عاديون) التي تعدّ الرهبانية المارونية الثانية في لبنان، حجماً ونفوذاً، بعد الرهبانية اللبنانية المارونية، عدا عن تفضيل غالبية المطارنة ألا تكون خلفية المطران رهبانية. أما سويف، فعلاقته وطيدة أيضاً بالكرسي الرسولي، وكان لأسابيع خلت من أهم المرشحين لخلافة صفير نتيجة معرفته بما يريده الفاتيكان من كنيسة لبنان. أما نقطة ضعفه الأساسية فهي صغر سنه، باعتباره من مواليد 1962. ويذكر أن المبعوثين الفاتيكانيين إلى لبنان، الأسبوع الماضي، أجروا الكثير من اللقاءات، لكنهم اكتفوا خلالها بتكرار التمنيات العامة، متجنّبين الدخول في التفاصيل أو ذكر أي مطران باعتباره أفضل من الآخر. وإذا تبين أنه ليس هناك رسالة من الكرسي الرسولي لتزكية أحد المطارنة، فإن حظوظ الراعي وسويف بالفوز انتخابياً أو بتوافق المطارنة على أحدهما، صغيرة جداً جداً.
الأقوى بين المطارنة، انتخابياً، هو مطران بيروت بولس مطر الذي يدخل إلى الصرح اليوم مطمئناً إلى أن 17 زميلاً على الأقل يؤيّدونه. لكن الثمانية عشر صوتاً لا تكفي للفوز، فهو يحتاج إلى ثلثي عدد المطارنة الحاضرين، ما يوازي 26 صوتاً. أقرب منافسيه المطرانان أنطوان العنداري والعضو السابق في قرنة شهوان يوسف بشارة، وكل منهما يحظى بتأييد نحو أربعة من زملائه، مع العلم بأن المقرّبين من العنداري اجتهدوا الأسبوع الماضي لنفي قرب الأخير من القوات اللبنانية، مؤكدين أنه عمل دائماً لمصلحة الطائفة لا الأحزاب والقوى السياسية، في ظل شائعات عن إبلاغ المدبر البطريركي المطران رولان أبو جودة المطران مطر تأييده له بعدما كان مؤيّداً للعنداري، نتيجة اكتشاف أبو جودة، إثر لقائه غالبية المطارنة، أن حظوظ مطر أكبر بكثير من حظوظ العنداري وبشارة.
في ظل هذه المعطيات، يمكن رسم سيناريوهين: الأول يقضي باحترام المطارنة للأكثرية التي حصدها مطر في الدورات الانتخابية الأولى، وبالتالي إجماعهم على توفير أكثرية الثلثين لمطر بمبادرة ديموقراطية من العنداري أو بشارة أو غيرهما. والثاني يقضي بازدياد التوتر داخل المجمع، وانقسامه حول تكتّلين كبيرين، الأول يرشّح مطر والثاني يرشح العنداري أو بشارة.
في السيناريو الثاني هناك احتمالان: يعجز المطارنة خلال خمسة عشر يوماً عن توفير الثلثين لأحد المرشحين، فينفضّ الاجتماع ويختار الفاتيكان الراعي أو سويف، أو يتفقون على اختيار مطران يحظى بتأييد جميع زملائه ولا يمثّل استفزازاً لأحد فيختارون واحداً من ثلاثة مرشحين يتمتعون بهذه المواصفات: المطران سمير مظلوم، المطران بولس الصيّاح أو المطران منصور حبيقة.
باختصار، إذاً، هناك 4 احتمالات:
1 ـــــ يبلغ الفاتيكان المطارنة عبر البطريرك صفير، اليوم، تعيين البابا بنديكتوس السادس عشر المطران بشارة الراعي أو أنطوان سويف بطريركاً مارونياً جديداً.
2 ـــــ احترام المطارنة حصول المطران بولس مطر على أكثرية الأصوات وسط زملائه، وتوفير أكثرية الثلثين له.
3 ـــــ اختيارهم مرشحاً توافقياً يمكن إيجاد مواصفاته في كل من المطران سمير مظلوم والمطران بولس الصياح والمطران منصور حبيقة.
4 ـــــ يعجز المطارنة عن الانتخاب خلال خمسة عشر يوماً، فيعيّن الكرسي الرسولي البطريرك الجديد.
معلومات «الأخبار» تؤكد أن الاحتمال الثالث هو الأقرب إلى منطق المطارنة وقلبهم.




مع البطريرك 4 أساقفة جدد

علمت «الأخبار» أن المطارنة، إذا نجحوا في انتخاب خلف للبطريرك نصر الله صفير، فسيتصلون بالكرسي الرسولي لإبلاغه الاسم الذي انتخبوه، قبل إعلان النتيجة وقبل خروج الدخان الأبيض، وذلك بناءً على رغبة الفاتيكان. وعلمت «الأخبار» أيضاً أن صفير سيبلغ المطارنة، فور اتفاقهم على خليفته وقبل إعلان النتيجة، أسماء الآباء الأربعة الذين اختارهم الكرسي الرسولي بالتنسيق مع صفير لشغل المواقع الأربعة الشاغرة في مجلس المطارنة (هناك أربعة مطارنة متقاعدين لم يعيّن بدائلهم بعد)، ليتكرر بذلك سيناريو 1986، حين أبلغ السفير البابوي في لبنان البطريرك اسمي أسقفين عيّنهما البابا، طالباً إلى صفير أن يعلنهما بنفسه. ويومها لم ترق الخطوة البطريرك وغالبية المطارنة، لكنهم استجابوا لها. وبالتالي، فإن الكثير من الآباء الموارنة والرهبان الذين يعتقدون أنهم يستحقون أن يرسموا مطارنة سيعيشون على أعصابهم، ما دامت الأبواب مغلقة، يشاركون النائب السابق فريد هيكل الخازن في صدّ الشياطين.