الحسكة | تُظهر التشابكات الميدانية المعقّدة في الشمال السوري حجم الكباش الإقليمي والدولي على الأراضي السورية. ولعلّ من أهمّ نقاط التحول في خريطة الانتشار الميداني هي خطوة انتشار الجيش السوري، بدعم روسي، في شرق الفرات. إذ ستكون لهذا الانتشار مساهمة كبرى في رسم حدود سيطرة كلّ طرف في المنطقة على المدى المتوسط. فبعد مرور أكثر من شهر على قرار الجيش السوري بدء التحرك لحماية الشمال من العدوان التركي، بات الجيش ينتشر اليوم على أكثر من 700 كم، منها ما يزيد عن 300 كم على الشريط الحدودي مع تركيا.

وأنجز الجيش، أول من أمس، مرحلة مهمة من الانتشار في الجزيرة، من خلال نشر قوات حرس الحدود على امتداد 55 كم، من ريف الجوداية وحتى عين ديوار على مثلث الحدود السورية - العراقية - التركية، وذلك لأول مرة منذ سبع سنوات. ويكسب انتشار الجيش الأخير أهمية استراتيجية لجهة أنه يمتدّ على منطقة تشكل عقدة حدودية مهمة، ما يمهّد لانتشار لاحق على الحدود العراقية، وأيضاً على مناطق أخرى تُعتبر خزان البلاد النفطي والغازي، الأمر الذي يسمح باستثمارها من قِبَل الدولة السورية بعد إنجاز أيّ اتفاق سياسي مع «قسد»، في صورة عودة إدارية للحكومة إلى تلك المناطق.
ومع انتشار الجيش في ريفَي المالكية ورميلان في الشمال الشرقي، يكون قد أتمّ انتشاره بدءاً من ريف رأس العين الشمالي الشرقي، وحتى عين ديوار على المثلث الحدودي، بطول يتجاوز 200 كم، بالإضافة إلى الانتشار على امتداد 100 كم من أطراف بلدة مبروكة في ريف رأس العين الجنوبي الغربي وعلى امتداد الطريق الدولي (M4)، وصولاً إلى بلدتَي تل تمر وأبو رأسين في ريف الحسكة الشمالي الغربي. كما أتمّ الجيش منذ عدة أيام انتشاراً على الحدود من ريف تل أبيض الغربي، وصولاً إلى منبج على الشريط الحدودي مع تركيا، بطول يتجاوز الـ100 كم. كذلك، انتشرت القوات الحكومية من ريف منبج الغربي، مروراً بعين العرب وصرين، وصولاً إلى بلدة عين عيسى واللواء 93، بطول 100 كم، لتتجاوز بهذا المساحةُ الحدودية (مع تركيا) التي يسيطر عليها الجيش 300 كم.

اقتربت الولايات المتحدة من إنهاء خطوات إعادة تمركزها في الشمال والشرق


وتزامن انتشار الجيش السوري في الشمال والجزيرة مع حضور عسكري روسي واسع في المنطقة، بهدف الإمساك بالملفّ عسكرياً وسياسياً. واستثمرت موسكو تواجدها في الشمال لتحويل مطار القامشلي الدولي، الواقع على مقربة من التواجد الأميركي والحدود مع تركيا، إلى قاعدة عسكرية روسية مدعومة بطائرات وصواريخ، على طريق تعزيز التموضع العسكري الروسي الجديد. كذلك، استفادت من موقع مدينة عين عيسى الجغرافي في منتصف المسافة بين منبج والحسكة، لتحوّله إلى قاعدة تنسيق عمليات عسكرية، فضلاً عن تأسيسها غرفة عمليات عسكرية مشتركة مع الجيش السوري لتنسيق الانتشار في الشمال. كما أن روسيا، وفي سعيها إلى إبراز رمزي لنجاح سياستها في دفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب من أكثر من نصف مناطق تواجدها سابقاً، عمدت إلى اختيار القواعد الأميركية السابقة في صرين ومنبج وعين العرب، لتكون قواعد ونقاطاً عسكرية جديدة لها في المنطقة، وتُجري فيها إنزالات جوية رمزية، تعبيراً عن تبدّل النفوذ من أميركي إلى روسي.
أما الولايات المتحدة، وبعد شهر من التخبّط وانعدام الاستقرار، فقد حسمت أخيراً أمر بقائها في الجزيرة السورية، من دون وجود أيّ جدول زمني واضح لفترة بقاء القوات هناك، في ظلّ تخوف كردي من قرار انسحاب أميركي مفاجئ جديد. وبرز التوجّس الكردي على لسان الرئيسة التنفيذية لـ«مجلس سوريا الديموقراطية»، إلهام أحمد، في تصريحات إعلامية، أكدت فيها أن «الأميركيين أبلغوهم رسمياً العودة عن قرار الانسحاب، والبقاء في مناطق في الشمال السوري، مع تقليص مساحة وجودهم إلى النصف عمّا كانت عليه قبل الهجوم التركي»، مستدركة بأنهم «لا يعرفون الفترة الزمنية التي سيبقى فيها الأميركيون (...) إن كانت شهراً أو شهرين أو سنة أو أكثر». وحدّدت القيادية الكردية مَهامّ الأميركيين الجديدة بـ«محاربة داعش ومنع وقوع آبار النفط في أيدٍ غير أمينة».
وفي اليومين الأخيرين، اقتربت الولايات المتحدة من إنهاء خطوات إعادة تمركزها في الشمال والشرق السوريين، لتستقرّ في محيط حقول النفط، وبعض المدن في محافظة الحسكة. وانسحب، يوم الثلاثاء الماضي، آخر رتل أميركي ضمَّ أكثر من 120 آلية محمّلة بأسلحة وذخائر ومعدّات عسكرية ولوجيستية وآليات هندسية من مطار صرين، مع تدمير المعدات والتحصينات داخل المطار، عبر قصفها من الجو. وبذلك، يُحدَّد الوجود الأميركي بسبعة مواقع في الحسكة هي: قسرك ولايف ستون في ريف الحسكة الغربي، وهيمو وحقل عودة النفطي في ريف القامشلي، والمالكية ورميلان، ومديرية حقول الجبسة في ريف الحسكة الجنوبي. أيضاً، وسّعت واشنطن من وجودها في ريف دير الزور، مع الدفع بدبابات وآليات عسكرية في حقول الجفرة والتنك والعمر وكونيكو والعزبة، في ظلّ معلومات عن تجهيز قاعدة كبيرة بالقرب من بلدة البصيرة في ريف دير الزور الشمالي الشرقي.