حظي إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاستعداد لعقد لقاءات مع القادة الإيرانيين، باهتمام كبير في طهران. ردود فعل وتعليقات أدلى بها عدد من المسؤولين، بدا فيها التفاوت، وإن كان المشترك بين جميعها التشكيك في جدية الطرح الأميركي. تشكيك مرده إلى انعدام الثقة الإيرانية بسياسة الإدارة الأميركية الحالية، وحقيقة أن الإعلان «الترامبي» يترافق والضغوط التي بدأت منذ الانسحاب من الاتفاق النووي. هذا ما ظهر في التعليقات الإيرانية، واللافت فيها عدم رفض الحوار من أجل الرفض فقط. فعلى سبيل المثال، يشترط مستشار الرئيس حسن روحاني، حميد أبو طالبي، أن تعود واشنطن إلى الاتفاق النووي قبل الجلوس إلى طاولة الحوار، قائلاً إن «احترام حقوق الأمة الإيرانية، وخفض الأعمال العدائية، وعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، من شأنه تمهيد طريق المحادثات». «محادثات» ليست مستحيلة إذاً، يؤكد ذلك وزير الخارجية محمد جواد ظريف، بقوله تعليقاً على تصريحات ترامب إنه «يمكن أميركا أن تلوم نفسها، فقط، على الانسحاب من هذا الاتفاق (النووي) وترك الطاولة»، بعد عامين من التفاوض بين واشنطن وطهران وباقي الدول بشأن الملف النووي. ويتابع ظريف قائلاً إن «التهديد والحظر والخداع الإعلامي أساليب عقيمة، تعلموا احترام إيران والتعهدات الدولية».

بصورة أو بأخرى، ترفض طهران التفاوض مع الإدارة الأميركية الحالية «بلا شروط»، أو تحت التهديد والضغوط، من دون أن تغلق الباب تماماً على إمكانية الحوار في سياق يحترم مصالحها. في الحدّ الأدنى، ثمة فريق في طهران لا يرجّح جعل الحوار من المحرمات، وهو ما عبّر عنه أمس رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، حشمت الله فلاحت بيشه، الذي اقترح إنشاء «خط ساخن» بين البلدين. واللافت أكثر أن البرلماني الإيراني قرأ في تصريحات ترامب أمراً «إيجابياً»، معتبراً أن الخلاف تستفيد منه «دول ثلاث» فقط، ما يجعل المصالح الوطنية لعبة بيد الآخرين. بالنسبة إلى وزير الداخلية في حكومة روحاني، عبد الرضا رحماني فضلي، فإنّ ما يمنع اللقاء مع ترامب أنّ «الولايات المتحدة ليست أهلاً للثقة. فكيف يمكننا أن نثق بهذا البلد بعد أن انسحب أحادياً من الاتفاق النووي؟».

أبدت عُمان استعدادها للتوسط بين الولايات المتحدة وإيران


لكن، قبالة الردود الدبلوماسية الرافضة للقاء ترامب «بلا شروط»، سجّل قائد الحرس الثوري، الجنرال محمد علي جعفري، رداً أكثر حدة على تصريحات ترامب، بالقول إن «إيران ليست كوريا الشمالية كي تقبل عرضك بعقد اجتماع. حتى رؤساء الولايات المتحدة الذين سيأتون بعدك لن يروا هذا اليوم». ولئن كان تعليق جعفري يتضمّن موقفاً مبدئياً من أساس فكرة اللقاء مع الرؤساء الأميركيين، إلا أنه لم يتطرق بشكل صريح لرفض مبدأ الحوار بشروط، ولو بصورة غير مباشرة أو بمستويات أقل من قمة رئاسية، بل استعار تجربة كوريا الشمالية، ليؤكد هو الآخر «عدم الثقة» بالإدارة الأميركية.
وبالعودة إلى الردود السياسية على كلام ترامب، كان الرد الرسمي من وزارة الخارجية أكثر تفصيلاً في إبداء الرفض والتوجس من الدعوة، لا على طريقة رفض مبدأ الحوار. وقال المتحدث باسم الوزارة، بهرام قاسمي، إن تصريحات ترامب لا تتناسب وأفعاله، فـ«العقوبات والضغوط هي النقيض التام للحوار»، متسائلاً: «كيف يمكن ترامب أن يثبت للشعب الإيراني أن تصريحاته الليلة الماضية تعكس نية حقيقية للتفاوض، وأنه لم يدل بها بغرض تحقيق مكاسب شعبوية؟». وتابع قاسمي قائلاً إن بلاده «من دعاة الحوار والمنطق، ولو التزمت شيئاً تبقى على التزامها. لكن الحوار الذي يدعو إليه ترامب لا بد أن تتوافر له الظروف وتكون له تعهدات لم نر أياً منها، لا من ترامب ولا من زملائه».
هذه التصريحات وغيرها، الخارجة من طهران، تقاطعت عند رفض الحوار، وقبوله بشروط وضمانات وطمأنات أميركية أقلها العودة إلى الاتفاق النووي والتوقف عن ممارسة الضغوط، ما يعني رمي الكرة في ملعب الإدارة الأميركية، لسلوك طريق جدي غير طريق العقوبات والضغوط، وبعيداً من أسلوب الانتصارات الإعلامية لمشهدية اللقاء والمصاحفة، التي يسبقها التفاوض على حافة الهاوية. كيف يمكن أن يُترجَم ذلك؟ لا شيء يؤكد بعد صحة ما يتردد عن وساطة عمانية، وإن أبدت مسقط استعدادها لذلك على لسان وزير خارجيتها، يوسف بن علوي. أما وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، فقد أعرب أمس عن تأييده لتصريحات ترامب، لكنه أشار إلى أن الحوار له شروط تتمثل في إبداء طهران استعدادها لتغيير جذري لسلوكها داخلياً وفي المنطقة.