حاول رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، تأكيد طابعه الصقوري في القضايا الأمنية عبر تكرار معزوفة أن إسرائيل ستخرج إلى معركة (مع قطاع غزة) إذا ما تطلب الأمر ذلك، مع انتخابات أو دونها، نافياً أن يكون امتناعه عن هذا الخيار في هذه المرحلة يعود إلى اعتبارات انتخابية، بل موضوعية، مع أن خصومه السياسيين يدركون أن الاعتبارات الفعلية التي تبلور خيارات حكومته هي مزيج من المصالح الانتخابية والأولويات الاستراتيجية المتصلة بمواجهة تطورات الجبهة الشمالية والتداعيات المحتملة للصراع الإيراني ــــ الأميركي في الخليج، لكن المنسوب الانتخابي في حملتهم على نتنياهو كان مرتفعاً جداً. فقد رأى رئيس «أزرق أبيض»، بيني غانتس، أن الردع لم يتآكل في عهد نتنياهو، بل «امّحى»، فيما ذهب وزير الأمن السابق، ورئيس «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، إلى اتهامه بالضعف في مواجهة القطاع.

مع ذلك، لم تُرضِ التبريرات، التي تقدمها المؤسستان السياسية والأمنية في تل أبيب، جمهور المستوطنين في «غلاف غزة» وجنوب الكيان الإسرائيلي، ومفادها أن العمليات الأخيرة ليست إلا أحداثاً عرضية بادر إليها أفراد بدافع ذاتي ودون توجيه من القيادة العليا. فالأمر لا يختلف عند المستوطنين، إن كان من يطلق الصاروخ أو ينصب لهم كميناً مدفوعاً بتوجيهات أو لا. وفي المقابل، تدرك القيادة الإسرائيلية أن إضفاء طابع فردي على العمليات قد يكون جزءاً من التكتيك الذي تتبعه فصائل المقاومة أو بعضها، ومع ذلك تتناغم مع تنصل الأخيرة من تحمل مسؤولية مباشرة، لتبرر انكفاءها عن الرد الواسع أمام جمهورها.
ففي ظروف أخرى ما كانت إسرائيل لتقنع بمثل هذه التفسيرات، حتى عندما تنفذ العمليات فعلياً باجتهادات فردية، لأنها ترى أن حركة «حماس» مسؤولة عن منع هذا النوع من العمليات، وعادة ما تلجأ إلى جبي أثمان من الحركة لدفعها إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة بوجه هذه «الاختراقات». في هذه الأجواء، ذكرت تقارير إعلامية إسرائيلية أن الجيش أجرى تقييماً للوضع، خلُص في نهايته إلى تقديم توصية بالاكتفاء بمقتل المقاومين عند الحدود لتجنب الانجرار إلى ردود متبادلة. والواضح أن خلفية هذا النوع من التوصيات وجذورها، هي مستوى الردع الذي يسكن القيادتين العسكرية والسياسية، من أجل تفادي أي تصعيد عشية الانتخابات، وما يشغلهما عن أولوياتهما على الجبهتين الشرقية والشمالية.

رأى معلقون رابطاً بين تسلسل العمليات وتزايد لقاءات الإيرانيين و«حماس»


إسرائيل غير معنية بتصعيد مع غزة، وفصائل المقاومة تدرك ذلك، وتحاول استغلال الوضع لمصلحتها كما حدث عشية الانتخابات السابقة (نيسان/ أبريل الماضي)، بل يمكن القول إن خيارات إسرائيل باتت مكشوفة أكثر من أي وقت مضى؛ فهي إن امتنعت عن الرد، فسترسل بذلك رسالة ضعف تشجع الأطراف المقابلة على مواصلة هذا النوع من العمليات، وإن وجهت ضربات رمزية وضعيفة، فسيجعلها ذلك مكشوفة أكثر، وسيدفع الفصائل إلى المزيد من الضغوط من أجل انتزاع تنازلات تتصل بالحصار. أيضاً، تدرك تل أبيب أن توجيه ضربة قاسية إلى القطاع سيؤدي إلى تورطها في جولة قتال لا تريدها الآن على الأقل، لأسباب تتصل بالانتخابات وتطورات جبهة الخليج التي تفرض على إسرائيل البقاء على قدر من الجاهزية لأي مستجد في تلك المنطقة. وفوق ذلك تدرك أن خياراتها محدودة مقابل غزة، وقد يؤدي أي تورط إلى تعزيز روح الانتفاضة في الضفة من جديد.
يتقاطع هذا التقدير مع ما أكدته تقارير إسرائيلية تتمتع بقدر مهم من الصدقية، إذ تؤكد أنه «باستثناء ليبرمان وبينِت»، لا ترى أحداً في الخريطة السياسية الإسرائيلية ولا المؤسسة الأمنية يسعى إلى الحسم في غزة؛ «الجميع واقعي وبراغماتي في هذا الموضوع. ما يحدث الآن ليس لطيفاً. لكن في النهاية الاعتبار لدى نتنياهو على مدى السنوات هو السعي قدر الإمكان إلى الامتناع عن الانجرار إلى حروب لا يعرف كيف ستنتهي، وهذا مستمر الآن حتى في الانتخابات». وأياً كانت الحقيقة، ما شهده القطاع والضفة من سلسلة عمليات يجسّد حالة المقاومة التي يمارسها الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والحصار. وبات هذا المسار يفرض نفسه على تل أبيب التي عليها أن تتخذ قرارات عملانية، أو تقدم تبريرات مقنعة للجمهور في مستوطنات جنوب فلسطين المحتلة. فلم يعد بإمكان المؤسستين السياسية والأمنية تجاهل ارتفاع العمليات التي انطوت على خطورة بالغة، وكان بإمكانها أن تؤدي إلى نتائج مؤلمة للجيش. ويبدو أن أكثر ما تخشاه إسرائيل في هذه المرحلة هو «العدوى» التي قد تؤدي إلى رفع مستوى العمليات الفردية فعلياً، ما سيضعها مجدداً أمام تحدٍّ يربك قيادتها وأداءها.
في الإطار السياسي، رأى العديد من المعلقين الإسرائيليين أن هناك رابطاً بين تسلسل العمليات وتزايد اللقاءات بين الإيرانيين وقادة «حماس». ويضيف هؤلاء أن ذلك تقاطع مع توجهات قيادة الحركة في استغلال ما قبل الانتخابات، وهو ما يرفع منسوب الخطورة في الوضع القائم انطلاقاً من أنّ «بإمكان الفصائل حالياً أن تنصب للجيش الإسرائيلي مفاجأة على شكل هجمات متزامنة في أماكن عدة: فتح نفق، إطلاق رشقات قذائف صاروخية، تفعيل طائرات مسيرة، تسلل من البحر... وفي الوقت نفسه يمكن حماس أن تتنصل من المسؤولية دائماً، انطلاقاً من الادعاء أن المنفذين قوة منشقة». لكن ما ساعد حتى الآن على عدم انفلات الأمور، كون نتائج هذه العمليات محدودة ولم تؤدِّ إلى خسائر بشرية كبيرة في صفوف الاحتلال. مع ذلك، تبقى حقيقة لم تنجح إسرائيل في تغطيتها، هي أن استعراضات قادتها السياسيين والعسكريين لا تحقق الأهداف، لأنها لم تؤدِّ إلى ردع فصائل المقاومة. ويعود ذلك إلى أن قوى المقاومة تدرك القيود التي تفرض نفسها بفعل ثلاثة أنواع من العوامل: محدودية الخيارات الإسرائيلية مقابل القطاع، والظرف الانتخابي الداخلي، وتصاعد التطور الإقليمي على الجبهتين الشمالية والشرقية، وهي الأولوية لدى القيادتين السياسية والأمنية، ما يجعلهما أكثر تردداً في الذهاب إلى خيارات بعيدة المدى في مواجهة غزة مرحلياً.