حملت التظاهرات التي أعقبت مقتل جورج فلويد على يد أربعة من رجال الشرطة، الشهر الماضي، مطالبات عكست تغيّراً كبيراً في نظرة الجمهور الأميركي إلى إدارته ككلّ، وقطاع إنفاذ القانون بشكل خاص. وبينما يبدو العديد من هذه المطالبات متوقّعاً، على اعتبار أنّها قديمة تتجدّد بعد كل منعطف مماثل، إلّا أنّها هذه المرّة ارتدت طابعاً أكثر جدّية، في ظل استمرار التظاهرات التي كانت تطالب بالعدالة لفلويد، في البداية، وتنادي بوقف التمييز العنصري، لتحطّ أخيراً عند هدفٍ أكثر وضوحاً، وهو إصلاح الشرطة، أو حتى وقف التمويل عن أقسامها في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.

بالطبع، تحوّلت هذه المطالب إلى منطلق للتجاذبات بين مختلف الأطياف السياسية، ولكن أيضاً فتحت المجال أمام الكثير من الفرضيات، أو حتى الخلاصات، بناءً على تساؤلات تدور حول ما إذا كانت المشكلة تتمثّل فعلاً في جهاز الشرطة، أو بمنظومة متكاملة، تفعل فعلها في تسعير التمييز العنصري ضمن المجتمع الأميركي، وصولاً إلى المؤسسة الأمنية، التي من السهل إلباسها مقاربات جاهزة، في هذا المجال، انطلاقاً من وقائع وعوامل عدّة.
بالنسبة إلى البعض، تتجسّد هذه العوامل في هيكلية هذه المؤسسة الأمنية «الفضفاضة»، وبالنسبة إلى آخرين تتمثّل في آلية التوظيف والمحاسبة، والشفافية شبه المعدومة، في إطار عملها... ولكن فوق كلّ ذلك، هناك من يشير إلى سياق آخر، مفاده أن أميركا لديها مشكلة عنف، ومشكلة تمييز عنصري، ومشكلة شرطة. ثلاث مشكلات غالباً ما تتقاطع وتؤدي إلى الدماء كنتيجة.
بالتالي، وإن ضجّت وسائل الإعلام الأميركية، في الأيام القليلة الماضية، بالأصوات المنادية بإحداث تغييرات في هيكلية عمل الشرطة، على اعتبار أنها أصل المشكلة، لكن يبقى الواقع أعمق من ذلك بكثير، ويمكن اختصاره بعبارة لروزا بروك في مجلة «فورين بوليسي»: «الشرطة الأميركية متسرّعة في استهداف القوّة المميتة - كذلك غالبيّتنا»، في إشارة إلى الشعب الأميركي.

يعتقد 69% من الأميركيين بأنّ وفاة فلويد «علامة على مشاكل أوسع» في الشرطة


ما تقدّم لا يلغي أنّ هناك كلمتين تدوران حول الثقة بالشرطة: «أبيض» و«أسود». كلمتان تختصران عالمَين وجدا نفسيهما في الأرقام التي تفيد بأنّ رجلاً أسود من بين كل ثلاثة قد يدخل إلى السجن مرّة في حياته، بينما رجل أبيض من بين 17 معرّض للدخول إلى السجن. أكثر من ذلك، عند النظر في جميع التحقيقات الصادرة عن وزارة العدل، على مدى السنوات العديدة الماضية، والتي عادة ما تجريها بعد اشتعال الاحتجاجات على سلوك الشرطة، سواء كان في بالتيمور، كليفلاند، نيو أورليانز، فيرغسون ـــــ ميزوري، أو في شيكاغو، يظهر نمط واحد يتمحور حول انتهاكات دستورية مروّعة في كيفية استخدام الشرطة للقوة، وكيف تستهدف سكّان الأقليات، وكيف توقف وتحتجز هؤلاء الأشخاص... تُطرح هذه القضايا مراراً وتكراراً، وتؤدي إلى استنتاج آخر وهو: الشرطة في أميركا معطوبة. تبلور هذا الرأي، أخيراً، في استطلاعات الرأي، التي أفاد أحدها في صحيفة «واشنطن بوست»، بأنّ 69 في المئة من الأميركيين يعتقدون بأنّ وفاة فلويد بطريقة وحشية «علامة على مشاكل أوسع» في الشرطة الأميركية. وهذه بحدّ ذاتها قفزة كبيرة، بالمقارنة مع عام 2014، عندما أفادت الصحيفة بأنّ 43 في المئة فقط من الأميركيين اعتبروا أنّ قتل مايكل براون وإريك غارنر، أكثر من مجرّد حوادث معزولة. ولكن أين يكمن هذا العطب؟ المشكلة كبيرة وعميقة، ولكن يلخّصها البعض عبر الإشارة إلى أنّ أساسها يكمن في هيكلية هذه المؤسسة، التي لا تشبه ما يُعرف عالمياً بـ«قوة الشرطة». إنها عبارة عن 18 ألف وكالة تملك أكثر من 750 ألف ضابط على مستوى محلّي، وعلى مستوى الولاية، و120 ألف ضابط فدرالي لإنفاذ القانون. وهؤلاء الضبّاط يعملون ضمن المئات من ثقافات الشرطة المختلفة، ويطبّقون قوانين بلدية ومحلية وفدرالية مختلفة، فيما يملكون مستويات وأساليب مختلفة من التدريب. ومثلاً، بينما توجب بعض الدوائر ضرورة توفّر مستوى تعليمي معيّن لدى عناصرها، تُغفل أخرى هذا الجانب، هذا فضلاً عن أنّ بعض الأقسام تفرض فترة تدريب قليلة نسبياً، مقارنة مع غيرها.

استغلالٌ للمزاج العام
غاضّين النظر عن هذا الواقع، سعى الديمقراطيون، في الأيام الماضية، إلى استغلال التحوّل في المزاج العام، وتسخيره للكشف عن مشروع قانون في الكونغرس، يهدف إلى إصلاح الشرطة. «العدالة في الشرطة» عنوان كبير لقانون في حال جرى تمريره سيفرض مجموعة واسعة من التغييرات في السياسات والممارسات على أقسام الشرطة، على الصعيد الوطني، من دون أن يدخل في عمق المشاكل. يتضمّن مشروع القانون سلسلة من الإصلاحات التي تهدف إلى «ترويض أقسام الشرطة الأميركية الضالّة»، على حد تعبير مات فورد في مجلة «ذي نيو ريبابلك». يقول الأخير إنه يمكن قراءة «قانون العدالة في الشرطة» على أنه تجميع شامل لمختلف مقترحات إصلاح الشرطة، التي تمّ تداولها في الكابيتول في السنوات الأخيرة.
فعلى الرغم من أنّ بعض أحكامه الأوسع نطاقاً، ستؤثر في الوكالات الفدرالية لإنفاذ القانون، إلا أنّه لا يركّز على معالجة المشاكل مع تلك الوكالات، وخصوصاً تلك التي باتت مشهورة بإثارتها للجدل. تتمثّل أهم أحكام هذا القانون في إنشاء سجل لسوء سلوك الشرطة الوطنية - قاعدة بيانات مركزية لسجلات التأديب وإنهاء الخدمة - وتفويض لإدارات الشرطة بإبلاغ وزارة العدل عن الإحصاءات المرتبطة باستخدام القوة بشكل منتظم. وتهدف هذه الإجراءات إلى منع رجال الشرطة المطرودين من إعادة توظيفهم، من قبل الإدارات الأخرى، وتوفير مقاييس تتعلّق بعدد المرّات التي يستخدم فيها ضبّاط الشرطة والإدارات القوة.
ولكن بالرغم من أنّ الديمقراطيين يروّجون لإجراءات أخرى كثيرة، إلا أنّ حدوداً عملية ودستورية تقف في وجه سلطة الكونغرس لإصلاح إدارات الشرطة المحلية. فقد يتم تطبيق العديد من أحكام مشروع القانون، بما في ذلك الحظر على استخدام الخنق أثناء التوقيف، والتنميط العرقي، وغيرهما، مباشرة على مسؤولي إنفاذ القانون الفدرالي. لكن هذه وغيرها، لا يمكن أن يفرضها الكونغرس على شرطة الولاية، والشرطة المحلية، من خلال القانون الفدرالي. وبدلاً من ذلك، سيحاول الكونغرس إجبار الإدارات على إجراء تلك الإصلاحات، عبر حجب مِنح وزارة العدل إذا لم تمتثل.
من جهة أخرى، وفي حين ستتمّ تغطية مسؤولي إنفاذ القانون الفدراليين ببعض التغييرات الأكثر شمولاً في القانون المقترح، يتجنّب هذا المشروع اتخاذ خطوات من شأنها معالجة العديد من المشاكل التي ينفرد بها المجال الفدرالي. على سبيل المثال، على الرغم من أنّ مشروع القانون سيعمل على إلغاء «الحصانة المؤهّلة»، التي تحمي المسؤولين من المسؤولية ما لم ينتهكوا القانون بشكل ثابت وواضح، إلا أنّ هذا البند يسمح فقط بدعاوى حقوق مدنية في محكمة اتحادية ضد مسؤولي الولاية والمسؤولين المحليين. ولا يوجد معادل قانوني عام لانتهاكات الحقوق المدنية التي يرتكبها المسؤولون الفدراليون.
كذلك، لا يتخذ «قانون العدالة في الشرطة» أي خطوات لإصلاح أو إلغاء مصادرة الأصول المدنية، سواء على مستوى الولاية أو المستوى الفدرالي. وهي ممارسة مثيرة للجدل، يساء استخدامها، وتسمح للمسؤولين عن إنفاذ القانون بالاستيلاء بشكل دائم على ممتلكات المشتبه فيه، من دون إدانة جنائية.
قد يبدو هذا الإغفال متعمّداً، أو غير مفاجئ، على اعتبار أنّ الاهتمام العام منصبّ، حالياً، على الممارسات المسيئة من قبل إدارات الشرطة المحلية. مع ذلك، تبقى الفرص متواضعة أمام هذا المشروع في أن يتحوّل إلى قانون، ولا سيما أنّ الرئيس دونالد ترامب - الحليف القوي لنقابات الشرطة وممارسات الشرطة القاسية - أعلن أنه سيعارض الجهود الرامية إلى إلغاء أو تفكيك أقسام الشرطة، مؤكداً أن «99 في المئة» من الضباط «شعبٌ عظيم، عظيم». وبدون دعم الرئيس الحالي، يُعدّ مشروع القانون بمثابة قائمة أمنيات لعام انتخابات، أو عبارة عن استجابة غريبة وسطحية، من قبل الديمقراطيين في الكونغرس، لوضع استثنائي أكثر غرابة وخطورة.



المتطرّفون البيض وتجنيد الضبّاط


نشرت صحيفة «ذا غارديان» تقريراً، أواخر عام 2019، تحدّثت فيه عن سعي الجماعات المؤمنة بتفوّق العرق الأبيض إلى «تجنيد ضبّاط شرطة في صفوفها». ونقلت الصحيفة عن بحث أجرته فيدا جونسون، وهي أستاذة مساعدة في جامعة جورج تاون، أنه منذ عام 1990، كانت هناك 100 فضيحة مختلفة على الأقل، في أكثر من 40 ولاية، وهي تتضمّن رجال شرطة كانوا قد أرسلوا رسالة إلكترونية عنصرية أو رسائل نصية، أو أدلوا بتعليقات عنصرية على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي تحقيق جديد لـ«مركز التقارير الاستقصائية»، وُجد أنّ مئات من ضبّاط إنفاذ القانون، إن كان خلال حياتهم المهنية أو عند تقاعدهم، في مختلف أنحاء البلاد، كانوا أعضاءً في مجموعات داعية للكونفدرالية، ومعادية للحكومة، وللإسلام، على موقع «فايسبوك». ولكن ليس هناك سجل واضحٌ بهؤلاء، لأنه لا توجد سياسة فدرالية لفحص أو مراقبة ضبّاط إنفاذ القانون في البلاد، في سبيل معرفة من يملك آراء متطرّفة.
من جهة أخرى، أشارت الصحيفة إلى أنه، في عام 2006، حذّر تقرير مسرّب عن وحدة مكافحة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الفدرالي، من أنّ المؤمنين بتفوّق العرق الأبيض أمضوا عقوداً في محاولة «التسلّل إلى مجمّعات إنفاذ القانون، أو تجنيد موظفين يعملون في مجال إنفاذ القانون». ومنذ أن دخل الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بات المؤمنون بتفوّق العرق الأبيض أكثر جرأة، بل إنّ إدارة ترامب قامت بخفض المراقبة الفدرالية على المجموعات المؤمنة بالتفوّق العرقي.