«إسرائيل» تقلّص موازنة التعليم التكنولوجي إلى النصف


لا تزال انعكاسات موازنة حكومة العدو لعام 2025 تظهر يوماً بعد يوم. وآخرها قرار الخزينة الإسرائيلية اقتطاع 50% من ميزانية التعليم التكنولوجي. وهو ما سيؤدي إلى تفكيك هذا القطاع بحسب تصريح لمدير منتدى الكليات التكنولوجية والمدير العام لكلية بئر السبع التكنولوجية، يعقوب دور، لصحيفة «معاريف». الاستثمار في التعليم هو أحد أهم عوامل توجيه الاقتصاد نحو القطاعات التي يراها صنّاع القرار الأنسب، لذا، خفض هذا الاستثمار قد يكون له انعكاسات مستقبلية على الاقتصاد ككل وليس فقط على هذا القطاع.
من المعروف أن قطاع التكنولوجيا، وهو مفخرة الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعتمد عليه بشكل أساسي، لم يكن بعيداً من آثار الحرب التي يخوضها. فهذا القطاع يواجه اليوم تحدياً جديداً بعيد المدى، إثر إقرار موازنة 2025 التقشفية من قبل حكومة العدو. وقد شهدت هذه الموازنة اقتطاعات كثيرة، كان منها اقتطاع موازنات التعليم. ومن الطبيعي أن يكون قطاع التعليم التكنولوجي أحد المتضررين من هذه الخطوة. ولأن الشكوك حول هذا الإجراء كانت قد بدأت منذ مدة، قرر منتدى الكليات التكنولوجية منذ أسبوعين، كإجراء احتجاجي، إغلاق مجموعة الكليات التكنولوجية في إسرائيل بشكل عام بسبب «الخفض المخطّط له في ميزانيتها»، وقد استمرّ هذا الإغلاق بعد إقرار الموازنة. لكن السؤال: كيف ينعكس ذلك على القطاع التكنولوجي؟ في الواقع، لن تظهر النتائج سريعاً، لكن ربطاً بالعوامل الحالية المتمثّلة في خطر مغادرة العاملين المهرة من هذا القطاع، سيكون انعاكسه على القطاع سيئاً جداً في السنوات القادمة. فمنذ بضعة أيام أصدر مركز «شورش» للدراسات الاجتماعية - الاقتصادية، تقريراً يُظهر أن «عدد الإسرائيليين الذين غادروا مقابل كل إسرائيلي عاد، ارتفع من 1.3 إلى 2.0 في أقل من عقد ونصف عقد».
وهذه الأرقام لا تشمل إحصاءات ما بعد 7 تشرين الأول 2023، والتي تتوقّع أن تزيد من حدّة هذه الفروقات. وبشكل عام، في أي أزمة، أول الأفراد الذين يخرجون باحثين عن هجرة هم ذوي المهارات، وهذا أمر يتخوّف منه الكثير من الخبراء الاقتصاديين في إسرائيل. ففي إسرائيل يتمتع الموظفون في قطاع التكنولوجيا الفائقة بإنتاجية مرتفعة بنسبة 25% مقارنة بباقي دول منظمة التعاون الاقتصادي، التي تمثّل الدّول المتقدّمة. لكن هؤلاء يمثّلون 10% فقط من القوى العاملة، في حين أن الـ90% الآخرين إنتاجيتهم تنخفض بنسبة 40% عن باقي دول منظمة التعاون الاقتصادي. عملياً، إن العمّال في قطاع التكنولوجيا هم من يجعلون الاقتصاد الإسرائيلي جزءاً من نادي الاقتصادات المتطورة في العالم.
ستظهر صعوبة في تعويض النزيف المرتقب بين العاملين في المجالات التكنولوجية
يقول البروفيسور دان بن دافيد، الخبير الاقتصادي في جامعة تل أبيب لصحيفة «زمان إسرائيل»، إن «البيانات تظهر أن أقل من 300 ألف شخص يشغلون مناصب رئيسية في مجالات مثل التكنولوجيا الفائقة والطب والأوساط الأكاديمية. ووفقاً له، فإن رحيل عشرات الآلاف من هؤلاء المسؤولين الكبار من شأنه أن يضع إسرائيل في أزمة خطيرة، ما قد يؤدي إلى مشكلات في الأنظمة الحيوية للبلاد». فمع تقليص موازنة التعليم التكنولوجي إلى النصف، سيصبح هناك صعوبة في تعويض النزيف المرتقب بين العاملين في المجالات التكنولوجية. إذ إن التمويل هو جزء مهم من توجيه التعليم، بمعنى آخر، إن وضع الموارد لدعم التعليم في قطاع معيّن، يمكنه أن يوجّه الاقتصاد نحو هذا القطاع. لكن تقليص الموارد والتمويل، يعني توجيهاً أقلّ كفاءة، ما ينعكس سلباً على نمو القطاع.
يضاف هذا التحدي إلى تحديات كثيرة يواجهها قطاع التكنولوجيا منذ بداية الحرب. فصحيح أن أداء الشركات التكنولوجية الإسرائيلية المالي لم يتأثّر كثيراً، إلا أن القطاع تأثّر بعوامل أخرى مثل تباطؤ تدفّق الاستثمارات إلى القطاعات التي شهدت بعد الحرب نمواً في التمويل بنسبة 4% فقط. في حين اضطرار جزء كبير من الشركات المتمركزة في شمالي فلسطين المحتلّة إلى إعادة التمركز في أماكن أخرى سواء داخل الكيان أو خارجه، والكثير من هذه الشركات تدرس الانتقال نهائياً إلى خارج إسرائيل. كما أن هذا القطاع تأثّر كثيراً في بداية الحرب، بسبب استدعاء نسبة كبيرة من العاملين فيه إلى الاحتياط، وهو ما أسهم بتوقّف العمل في القطاع بشكل كبير مع النقص الحاد في العمّال. وأخيراً، يشكو العاملون في القطاع من عدم القدرة على الذهاب إلى الخارج لحضور المؤتمرات وغيرها، بسبب تعطّل الجزء الأكبر من حركة الملاحة الجوية من وإلى الكيان.
يُعدّ هذا الضرر بالقطاع الأهم في إسرائيل، والذي يُشكّل نحو 17% من الناتج المحلّي، و50% من صادرات السلع والخدمات، وثلث إيرادات الضرائب، مضراً للاقتصاد الإسرائيلي برمّته. فهذا الأخير يعتمد على قطاع التكنولوجيا لتخطّي تداعيات الحرب على الاقتصاد والتعافي السريع بعد الحرب. لكن الضرر في هذا القطاع قد يجعل التعافي الاقتصادي بعد الحرب أمراً صعباً.
