سوريا تنفتح على التعقيدات الكبرى: شاغل تركيا الأكبر لا يتبدّد
تسعى تركيا إلى استغلال سريع للفرصة التي أتاحها سقوط نظام بشار الأسد في دمشق، لتصفية الحساب مع "قسد" في شمال وشمال شرق سوريا، لكنها تواجه معوقات منها المصالح الأميركية والإسرائيلية التي قد لا تتوافق مع هدف من النوع المذكور. لكن الحملة التي تبدو وشيكة ضد الأ


لا تملك تركيا قراراً مؤثراً في القضايا الكبرى في هذه المنطقة، حتى إذا كانت تلك القضايا تهدّدها مباشرة، بل تستطيع أداء أدوار، والحصول على مكاسب في المقابل. هي لم تستطع، مثلاً، أن تغيّر حرفاً في ما جرى في قطاع غزة، حيث جلّ ما أمكنها فعله هو الإدانة اللفظية للعدوان الإسرائيلي. ولأن الأمر كذلك، فإن علاقاتها مع إسرائيل لم تتأثر فعلياً، ولا سيما صادراتها التي كان من بينها ثياب عسكرية للجيش الإسرائيلي، ليلبسها جنوده خلال هجومهم على القطاع. على أنه في سوريا يختلف الأمر قليلاً، حيث لتركيا مصالح أمن قومي كبرى يمكن أن تدفعها إلى معاندة الأميركيين إذا لزم الأمر. لكن هنا أيضاً، ثمة حدود لما يمكن أن تفعله، ولم تستطع فعله طوال 13 عاماً من الحرب السورية، رغم تدخّل جيشها في شمال سوريا وشرقها ووجود فصائل متمكّنة موالية لها.
كان القضاء على المقاتلين الأكراد السوريين هدفاً أول منذ البداية، من وراء قيام تركيا بدعم الحملة التي أسقطت نظام بشار الأسد، وإلا لما كانت مضطرة لذلك. ولو لم يكن الأسد عاندها، بل وتلاعب بورقة الأكراد بالذات في وجهها، لما أسقطته، بل كانت لتفضّل التعامل معه، خاصة بسبب قسوة نظامه. وحين سقط، سارعت إلى منع «إدارة العمليات العسكرية» من إثارة صراعات لا داعي لها، سواء مع المكونات الأخرى، أو مع الفصائل التي شاركت في عملية الإطاحة بالأسد، بما يتيح لها التفرغ لمسألة الأكراد. وعليه، ستحاول أنقرة إنجاز المهمة التي هي بصددها الآن، أي السيطرة على ما أمكن على الأراضي التي تتحكم فيها «قسد»، قبل تسلّم الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، منصبه في 20 كانون الثاني المقبل، مستفيدة من مدة السماح التي أعطاها الرجل الذي رفع شعار إنهاء الحروب، لكنها، مع ذلك، ستصطدم مرة أخرى بالمصالح الغربية وأيضاً الإسرائيلية، ليس في سوريا فحسب، وإنما في كل الشرق الأوسط.
فالأكراد كانوا من بين الأسباب التي منعت ترامب من تنفيذ رغبته في الانسحاب من سوريا كلياً خلال ولايته الأولى. وهم، مثل تركيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، يقدّمون خدمات كثيرة مقابل الحصول على الحماية لمناطقهم، وكذلك لطموحاتهم السياسية ما دون الدولة. كما أن ترامب كان واضحاً تماماً حين تحدّث عن سوريا خلال الأحداث الأخيرة، حيث قال إن ما يهم الأميركيين هو النفط، وإن العدد الموجود من الجنود الأميركيين هناك كافٍ للاستيلاء عليه، وغير ذلك فسوريا ليست دولة صديقة ويجب عدم التدخل في الفوضى الدائرة فيها. وعليه، فهو لن يكون معنياً بالأمر إذا استمرت الفوضى، علماً أنه سجّل أيضاً أن الأتراك «أذكياء» باستغلالهم الفرصة المناسبة، لكنه لم يشر لا إلى مسألة الأكراد ولا إلى «هيئة تحرير الشام» ولا إلى إسرائيل.
الأكراد كانوا من بين الأسباب التي منعت ترامب من تنفيذ رغبته في الانسحاب من سوريا كلياً خلال ولايته الأولى
ما هو مؤكد أن إردوغان خلق فرصاً كبيرة للغرب وإسرائيل في سوريا، لكنه حصل في المقابل على منظومة حكم موالية في دمشق، وبالتالي لا يدين له الغرب بجوائز إضافية من نوع السماح له بالقضاء على «قسد». كما أن ثمة عاملاً آخر للتأثير في مسألة الأكراد والوجود الأميركي في سوريا، وهو إسرائيل التي رفضت الانسحاب الأميركي في 2017، لمخاوف أمنية. والواقع أن هذا العامل شهد تغيّراً كبيراً مع تمدّد قوات الاحتلال خارج المنطقة العازلة في الجولان ودرعا وحوض اليرموك، وضرْب مخازن أسلحة الجيش السوري، وخروج إيران و«حزب الله» من البلاد، وإن كان انسحاب الروس، في المقابل، سحَب ورقة اطمئنان من يد إسرائيل، التي قد لا يغنيها توغّلها العسكري عن ضمانات من جهات قادرة، أهمها الوجود العسكري الأميركي حيث هو اليوم، في قاعدة التنف وفي الشمال الشرقي. ذلك أن أكثر ما يقلق إسرائيل هو بقاء ثغرات لوصول إمدادات السلاح إلى المقاومة في لبنان، في حال انسحاب الأميركيين الذين ساعدوا، خلال السنوات الماضية، إسرائيل في قصف تلك الإمدادات.
يبقى ما يمكن لتركيا أن تفعله في شمال سوريا وشرقها مرهوناً بالموقف الأميركي: فإما أن تترك أميركا إردوغان يفعل ما يشاء في منطقة الأكراد في سوريا، ولو أدى ذلك إلى مذبحة، وإما أن تضع خطوطاً حمراً ممنوع عليه تجاوزها. التاريخ القريب والبعيد يدل على أن الغرب وإسرائيل ليسا في صدد تقديم رأس «قسد» هدية لتركيا. ولذا، إن المرجح أن تدور معركة طاحنة في الشمال السوري، ستسهم في رسم مستقبل سوريا كلها.
من جهتها، ستحاول تركيا التحرك بسرعة في الملف الكردي، حتى لا تضيع الفرصة القائمة. لكن تصريحات ترامب تدل على أنه يفضل الفوضى، وهو لا يتناقض في ذلك مع الدولة العميقة في أميركا، بشرط أن يظل الأمر محصوراً داخل حدود البلاد، وهو ما لا يتيحه موقع سوريا المؤثّر. وإذا كان من الصعب تصوّر أن تصل أنقرة إلى مواجهة مع واشنطن في سوريا من أجل الحالة الكردية، يصبح من المرجّح أن تبقى الجزيرة السورية شوكة في عين الأولى حتى لو استطاعت انتزاع بعض الأراضي من «قسد» عسكرياً. ومثل هذا السيناريو سيعني الحد من قدرة «إدارة العمليات العسكرية» في دمشق على توحيد سوريا تحت سلطتها، ويعني أن البلاد ستبقى مفتوحة على الاحتمالات الخطيرة.
