السجون والأفرع مسرحاً للعامة: طمس «الأدلة» جارٍ
عادت من جديد المطالبات المجتمعية بالحفاظ على الوثائق المتعلّقة بالجرائم المرتكبة في عهد النظام السابق، ولا سيما الوثائق التي تخص السجون والأفرع الأمنية، بهدف ضمان العدالة ومحاسبة المجرمين.


تعود من جديد المطالبات المجتمعية بالحفاظ على الوثائق المتعلّقة بالجرائم المرتكبة في عهد النظام السابق، ولا سيما الوثائق التي تخص السجون والأفرع الأمنية، بهدف ضمان العدالة ومحاسبة المجرمين. فبعدما كانت المشكلة عقب سقوط النظام، دخول عدد كبير من السوريين إلى تلك المؤسسات والعبث بالأوراق الرسمية، كالتقارير والمعلومات الخاصة بالمعتقلين والموقوفين، وصلت الفوضى إلى حدّ قيام فرقٍ تطوعية بتنظيف المقارّ العسكرية والأمنية وطمس الأدلة الجنائية لعدد من المعتقلات في سوريا. وقد حصل ذلك أخيراً في زنزانة فرع الأمن السياسي في اللاذقية، حيث تطوّع فريق «سواعد الخير» لإعادة تنظيف وطلي جدران إحدى الزنزانات، بعد الحصول على موافقة الأمن العام. وبحسب التصريح الرسمي للفريق المتطوّع، فإن «هذه المبادرة تمّت بعد أخذ كامل الأدلة والإجراءات الاستقصائية من قِبَل الجهات المختصة، وكانت تهدف إلى إيصال فكرة مفادها أن عهد الظلم ولّى وعهد الحب بدأ».
ومع إفراغ السجون من المعتقلين، لا يزال أكثر من 112 ألف سوري ضمن قوائم المغيّبين قسراً، بحسب «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، فيما تصعب معرفة مصير هؤلاء، بفعل الفوضى التي طاولت السجون، فضلاً عن العبث بالوثائق، ودخول الصحافيين والمؤثّرين وغيرهم لتصوير وأخذ ما يحلو لهم، ما أضعف الأمل بمعرفة أهالي المخفيّين مصير أبنائهم. وينطبق ذلك أيضاً على المبادرات المجتمعية التي شاركت في طمس معالم عدد من مسارح الجرائم السورية، حيث ترى أم جاسم ( 69 عاماً) أن «كل هؤلاء يغطّون جرائم الأسد وعصابته»، وهي التي لا تزال تبحث عن ولدها وزوجها اللذين لا يوجد لهما أثر في أيٍّ من السجون.
مع إفراغ السجون من المعتقلين، لا يزال أكثر من 112 ألف سوري ضمن قوائم المُغيّبين قسراً
وكانت وزارة العدل في الحكومة المؤقتة دعت، بعد نحو شهر من سقوط النظام، «كلّ الأفراد والمجموعات، من مدنيين أو عسكريين، حصلوا على أيّ وثائق من الأفرع الأمنية أو السجون أو المؤسسات الحكومية ذات الطابع الأمني، إلى تسليم تلك الوثائق إلى النيابة العامة في وزارة العدل في دمشق، أو مكاتب النيابة في المحافظات»، محدّدة مهلة أسبوع لتسليمها، تحت طائلة المساءلة القانونية.
ويؤكد علي عبد المجيد، وهو ناشط في الشأن العام وباحث في «مركز عمان للدراسات الاستراتيجية»، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «ما حصل أدّى إلى فقدان الكثير من الأدلة، والقضاء على ما تبقّى من شواهد تجرّم العصابة التي كانت تعمل على التعذيب والقتل، والتي يجب سَوْق أفرادها إلى العدالة»، عادّاً ذلك «عبثاً بذاكرة أهالي الضحايا، وتقويض سبيلهم للوصول إلى معلومات عن ذويهم المفقودين»، ومحمّلاً الحكومة الحالية مسؤولية ما حصل. ويرى أن «هناك العديد من القرارات الاعتباطية التي تتّخذها الحكومة، لا تراعي خصوصية المرحلة في سوريا»، رافضاً أن تكون مثل هذه الأعمال مندرجة في إطار العمالة لمصلحة نظام الأسد، بل هي «مجرّد أعمال تطوّعية اعتباطية، أو هدفها حصد مشاهدات السوشل ميديا. لذلك، الشباب السوري بحاجة إلى المزيد من التوعية والتثقيف بخصوص متطلّبات المرحلة ودوره فيها».
من الناحية القانونية، لا يمكن تجريم المبادرات التي أدّت إلى طمس أدلة الجرائم «طالما أن أصحابها حصلوا على الإذن من الجهات المختصة بدخول مسرح الجريمة، والقيام بأعمال مثل التنظيف والطلاء وغيرهما»، وفقاً لرأي المحامية آلاء الصالح، التي تقول لـ«الأخبار»: «هناك جرائم يتم مسح الأدلة من مكانها ثم تصبح مسارحها مفتوحة للعامة، وبالتالي عند عدم وجود منع بدخول السجون أو الأفرع الأمنية وحتى أماكن المقابر الجماعية، فلا جرم يقع على من يقوم بذلك».
