22 مستوطنة جديدة في الضفة
يبدو واضحاً أن المنظّمات الاستيطانية، وقادة اليمين في «الكنيست» والحكومة، باتوا يشعرون بأن الوقت مناسب، الآن، لحسم الصراع مع الفلسطينيين، وتحديداً في ما يخصّ مسألة ضمّ الضفة الغربية، وإعلان «السيادة الإسرائيلية» عليها، وإقامة «دولة يهودا» على أراضيها.


رام الله | يبدو واضحاً أن المنظّمات الاستيطانية، وقادة اليمين في «الكنيست» والحكومة، باتوا يشعرون بأن الوقت مناسب، الآن، لحسم الصراع مع الفلسطينيين، وتحديداً في ما يخصّ مسألة ضمّ الضفة الغربية، وإعلان «السيادة الإسرائيلية» عليها، وإقامة «دولة يهودا» على أراضيها. وهذا الشعور النابع من نفوذ المستوطنين لدى صنّاع القرار في إسرائيل، يجري استغلاله على أكمل وجه، لإحداث أكبر قدْر من التغيير في أقصر مدة زمنية ممكنة. وضمن ذلك المسعى، يندرج مشهد «مسيرة الأعلام» في مدينة القدس قبل يومين، في موازاة الاقتحامات والانتهاكات غير المسبوقة للمسجد الأقصى، والاعتداءات التي باتت تشنّها عصابات المستوطنين على مدار الساعة ضدّ قرى الضفة الغربية وبلداتها.
وفي الإطار نفسه أيضاً، كُشف، أمس، عن مصادقة «الكابينيت» السياسي - الأمني، قبل نحو أسبوعين، وبشكل سرّي، على خطّة لإقامة 22 مستوطنة جديدة في الضفة، تشمل 9 مواقع استيطانية قائمة أصلاً، بالإضافة إلى مستوطنات جديدة، سيقام بعضها في عمق الضفة. ووفق الخطّة، سيُصدِر وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، أوامر لإعداد البنية التحتية القانونية اللازمة لإنشاء المستوطنات، و«تسوية» وضع البؤر الاستيطانية، على أن يتولّى مسؤول «الأملاك الحكومية» تخصيص الأراضي المطلوبة لمصلحة «دائرة الاستيطان».
ومن بين أبرز المواقع المستهدَفة في المشروع، جبل عيبال قرب نابلس، حيث يسعى الاحتلال إلى إقامة مستوطنة عليه، نظراً أولاً إلى عدم وجود مستوطنات هناك، وثانياً إلى ادّعاء المستوطنين وجود «مذبح يوشع بن نون» عليه، بحسب ما كشفته مصادر عبرية. كذلك، يشمل المخطّط إقامة مستوطنة في موقع «سانور» الذي جرى تفكيكه عام 2005 ضمن خطّة فك الارتباط، و«تسوية» الوضع القانوني لبؤرة «حوميش» المقامة في موقع مستوطنة أُخليت أيضاً في إطار الخطّة نفسها.
ويقف خلف المخطّط الجديد، بشكل رئيسي سموتريتش - إلى جانب المستشار القانوني لوزارة الأمن -، الذي يتصدّر واجهة المشروع الاستيطاني في الضفة، اتّساقاً مع ما كان قد اشترطه إبّان انضمامه إلى الائتلاف الحكومي، حيث كان أوّل قراراته نقْل الصلاحيات القانونية المتعلّقة بالبناء الاستيطاني في الضفة، من النيابة العسكرية إلى المستشارية القانونية لوزارة الأمن، بهدف تعزيز الاستيطان.
وبحسب تفاصيل المخططّ الذي كشف عنه مجلس «ماتيه بنيامين» الاستيطاني، الذي يرأسه يسرائيل غانتس، المقرّب من سموتريتش، فإن ما صودق عليه، يتضمّن إقامة ثلاث مستوطنات في منطقة غور الأردن، إلى جانب مستوطنتَين في شمال الضفة، واثنتين في منطقتَي «غوش عتصيون» و«جبل الخليل». أمّا البؤر الاستيطانية التي ينصّ القرار على «تسوية» وضعها القانوني، فقد كانت أصلاً في طور التحوّل إلى أحياء ضمن مستوطنات قائمة بالفعل، قبل أن تمنحها الخطّة الأحدث صفة مستوطنات مستقلّة. وفي تعقيبه على المصادقة، قال سموتريتش: «هذا يوم عظيم للاستيطان ويوم مهمّ لدولة إسرائيل، الاستيطان في أرض أجدادنا هو الجدار الدفاعي لدولة إسرائيل»، فيما اعتبر وزير الأمن، يسرائيل كاتس، القرار «تاريخيّاً» كونه «يعزّز قبضتنا ويشكّل ردّاً ساحقاً على الإرهاب الفلسطيني».
«الضفة الغربية باتت فيها دولتان، دولة مستوطنات، ودولة تجمعات سكانية فلسطينية»
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد أعلنت، في الـ23 من أيار الجاري، بدء تنفيذ المرحلة الأولى من خطّة استيطانية ضخمة في أجزاء من شمال الضفة الغربية، بموازنة بلغت 30 مليون شيكل، ضمن مبادرة «مليون مستوطن في الضفة»، والهادفة إلى تعزيز «الوجود اليهودي» عبر إنشاء 13 مستوطنة جديدة، وخمس مناطق صناعية استيطانية. وفي بلدة بروقين، وليس بعيداً من مكان مقتل مستوطنة إسرائيلية في عملية إطلاق نار قبل أسبوعين، أماط وزير البناء والإسكان الإسرائيلي، يتسحاق غولدكنوبف، اللثام عن أبرز بنود ذلك المشروع، ولا سيما بناء 40 ألف وحدة سكنية في شمال الضفة، و10 آلاف في وسطها، و8 آلاف في منطقة ثالثة.
وتشمل الخطّة أيضاً إقامة مجمع استيطاني يضمّ 46 ألف مستوطن في موقع «سانور»، و15 ألفاً في «حوميش»، إضافةً إلى تحويل الأول إلى مركز سياحي وثقافي يحوي 300 وحدة سكنية، وإنشاء مطار احتياطي ونقطة استيطانية في جبل عيبال. ووصف رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة الغربية، يوسي داغان، هذا المشروع بأنه «نشر للنور بدل الظلام والحياة بدل الموت»، مجدّداً التمسك بطموح إحلال مليون مستوطن في الضفة ضمن رؤية طويلة الأمد. أما عضو «الكنيست»، تسفي سوكوت، فقال إن الخطّة «ستنهي كابوس الدولة العربية في الضفة»، وستسهم في تنشيط الاقتصاد وتوفير مساكن بأسعار معقولة للإسرائيليين.
وتعليقاً على ذلك، يوضح خبير الخرائط والاستيطان، خليل التفكجي، في حديث إلى «الأخبار»، أن «إسرائيل تُدرج البناء الاستيطاني في الضفة الغربية ضمن خطّة أشمل وأوسع، هي مخطّط 2030 الذي يهدف إلى جلب مليون مستوطن إسرائيلي إلى شمال الضفة، وله مجموعة من الأهداف الإستراتيجية، حيث سيتم توسيع المستوطنات القائمة وتحويل البؤر الاستيطانية في شمال الضفة لتصبح مستوطنات كبيرة».
ومن ضمن أهداف المشروع أيضاً: «فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها ووسطها، وإقامة المناطق الصناعية، فيما جرت في الأيام الماضية المصادقة على منطقة صناعية قرب بلدة اللبن الغربية قرب رام الله على مساحة 800 دونم، إلى جانب مناطق صناعية أخرى في مناطق متفرقة، ما يعني إقامة بنية تحتية كبيرة لخدمة المستوطنات». ويبيّن أن «التركيز في المخطّط الاستيطاني ينصبّ على المنطقة الشمالية للضفة الغربية، حيث هناك تجمعات فلسطينية داخل الخط الأخضر مثل كفر قاسم، وبرطعة الغربية، وكفر بارة ومنطقة أم الفحم، وهناك قرى فلسطينية في الضفة الغربية في قلقيلية وطولكرم، وبالتالي، فإن إقامة المستوطنات تعني الفصل بين التجمعات السكانية في الضفة وبين التجمعات الفلسطينية داخل الخط الأخضر».
ووفقاً للخبير، فإن النظرية الأمنية الإسرائيلية «تنصّ على هذه الإستراتيجية في العمل والفصل، وهي تتوافق مع مشروع النجوم الذي أطلقه رئيس وزراء الاحتلال الأسبق، أرئيل شارون، عام 1979، من منطقة اللطرون وصولاً حتى منطقة برطعة الغربية. وبالتالي، إن الهدف الإستراتيجي واضح تماماً: الفصل بين التجمعات السكانية والسيطرة عليها، وفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، إضافة إلى العمق الإستراتيجي لمنطقة الساحل، وهو ما يتجسّد في منطقة ظهير الجبل، حيث تجري توسعة الشوارع بشكل كبير»، مؤكداً أن «الضفة الغربية باتت فيها دولتان: دولة مستوطنات تترابط بعضها ببعض بشبكة طرق رئيسية واسعة وكبيرة، ودولة تجمعات سكانية فلسطينية، تتواصل بعضها مع بعض جغرافياً عن طريق الأنفاق والجسور».
