المستوطنون في "الأقصى": "الوضع القائم لم يَعُد قائماً"
استغلّت "جماعات الهيكل"، حرب الإبادة على قطاع غزة، لتفكيك الوضع القائم في المسجد الأقصى ما قبل أكتوبر 2023، على نحوٍ خَلَق أمراً واقعاً يستبيح فيه المستوطنون الحرم


رام الله | استغلّت "جماعات الهيكل"، حرب الإبادة على قطاع غزة، لتفكيك الوضع القائم في المسجد الأقصى ما قبل أكتوبر 2023، على نحوٍ خَلَق أمراً واقعاً يستبيح فيه المستوطنون الحرم، ولا يجدون ما يعيق طريقهم. وفي أوّل أيام ما يُسمّى "عيد الأسابيع"، صباح أمس، اقتحم قرابة 830 مستوطناً، على شكل مجموعات تحميها الشرطة، "الأقصى"، حيث نفّذوا جولات استفزازية في باحاته، وأدّوا طقوساً تلمودية، وذلك وسط تضييق على المصلين عند بوابات المسجد، فضلاً عن حواجز شرطية في محيط البلدة القديمة. ويحتفل المستوطنون بعيد نزول التوراة أو الأسابيع (شفوعوت)، والمعروف أيضاً بعيد الحصاد، علماً أنه سُمّي "عيد الأسابيع" لأنه يأتي بعد 7 أسابيع من "عيد الفصح".
وبات لافتاً تصاعُد اعتداءات المستوطنين على "الأقصى"، وأداؤهم صلوات علنية صامتة أثناء اقتحاماتهم، وصولاً إلى أداء طقوس تلمودية، ورفع الأعلام الإسرائيلية في داخله. أمّا "منظّمات الهيكل" التي تقود الاقتحامات وتحرّض عليها، فترفع من وتيرتها سنة بعد أخرى؛ إذ وبعدما سمحت، خلال السنوات الماضية، بإدخال كتب الأذكار، وملابس الصلاة، وغيرها، تحاول الآن إدخال أدوات أكثر رمزية، من مثل لفائف التوراة، والشمعدان، والأبواق المعدنية، وحتى المذبح والقربان الحيواني، في ما يشكّل تصعيداً واضحاً يستهدف تغيير الطابع الإسلامي للمسجد.
وضمن هذا السياق، شهد الحرم، خلال الأيام الماضية، محاولات من قِبَل مستوطنين لإدخال قرابين حيوانية (ماعز) لذبحها هناك، فيما حاولت مجموعة من المستوطنين، أمس، تهريب قطع لحم ملطّخة بالدماء إلى داخل المسجد بغرض تقديمها قرابين، "غير أن يقظة حراس الأقصى حالت دون تنفيذ المخطّط، حيث تمّ التصدّي لهم، وإغلاق باب مسجد قبة الصخرة أمامهم لمنعهم من الوصول إليه"، وفقاً لمصادر محلية في القدس.
وعاشت القدس، الأسبوع الماضي، وقتاً عصيباً، قد يكون الأسوأ خلال العقود الماضية، مع اقتحام أكثر من 2090 مستوطناً ومستوطنة، المسجد الأقصى، في ما يُعدّ الاقتحام الأكبر من نوعه منذ احتلال المدينة، والذي نُفّذ لمناسبة ما يُسمّى يوم "توحيد القدس". وخلال الاقتحام السابق، رفع المستوطنون، بصورة غير معهودة، الأعلام الإسرائيلية وتوشّحوا بها داخل "الأقصى"، وأدّوا طقس السجود الملحمي، وأدخلوا أدوات يعتبرونها مقدّسة، كالشّال الذي يرتديه اليهود أثناء الصلاة (طاليت)، ولفائف الصلاة السوداء (التفلين).
على أن هذا الواقع يمرّ من تحت أنظار عناصر شرطة الاحتلال وضباطها، والذين يغضّون الطرف، حالهم حال حكومة بنيامين نتنياهو. ولفتت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، في هذا الإطار، إلى أن تعليمات الشرطة بمنع الطقوس الدينية اليهودية داخل الأقصى نظريّاً، ليست سوى "تعليمات شكلية لا تُنفَّذ عمليّاً"، على رغم التصريحات الرسمية المتكرّرة التي تصدر عن الحكومة والشرطة في شأن "الالتزام بالحفاظ على الوضع القائم" في المسجد الأقصى. ويكشف تحقيق أعدّته الصحيفة، أن الواقع الميداني داخل باحات المسجد بات مختلفاً جذريّاً، إلى درجة يمكن القول معها إنّ "الوضع القائم لم يَعُد قائماً".
لم تَعُد الاقتحامات الإسرائيلية لـ"الأقصى" تقتصر على الشعائر الدينية، بل تحوّلت إلى فعل سياسي "سيادي"
ووفق ما وثّقته الصحيفة، فإن التعليمات الرسمية التي تُعرض في الإيجاز الأمني لعناصر شرطة الاحتلال قبيل كل اقتحام يهودي للمكان، تنصّ بوضوح على حظر أيّ "نشاط ديني أو طقسي يهودي" داخل "الأقصى". لكنّ التوثيق الميداني يظهر أن تلك التعليمات تُترك من دون تطبيق، حيث يؤدّي المقتحمون طقوساً دينية علنية، تشمل الركوع، والانبطاح على الأرض في اتجاه "مكان الهيكل"، وتلاوة آيات من التوراة بصوت مرتفع، وحتى إقامة صلوات جماعية داخل زوايا في باحات المسجد، بينما تكتفي عناصر الشرطة بمراقبة ما يجري من دون أيّ تدخّل يُذكر.
أيضاً، يُبرز التحقيق أن مَن يقود هذه الانتهاكات اليومية، هم طلاب وأعضاء "يشيفات هار هبيت" و"كلية درِيشات تسيون"، واللذين يسيّران اقتحامات شبه يومية باستثناء أيام الجمعة والسبت، والأعياد الإسلامية وشهر رمضان. ويصف مدير المدرسة الدينية، مردخاي يورافيتسكي، التباين بين التعليمات والممارسة، قائلاً: "ما يُكتب شيء، وما يُطبّق شيء آخر تماماً".
وبحسب شهادات متطابقة من المشاركين في الاقتحامات، فإن الأخيرة لم تَعُد تقتصر على الشعائر الدينية، بل تحوّلت إلى فعل سياسي "سيادي" يُراد منه "ترسيخ وجودٍ إسرائيلي دائم في المكان". ويقول أحد المشاركين، ويدعى أهرون متلون (37 عاماً) من مستوطنة كريات أربع: "حتى لو وُصفنا بالمتطرّفين أو أتباع بن غفير، نحن نغيّر الواقع. هذا ما فعله مَن أسَّسوا الدولة من قَبل".
وعلى رغم تأكيد نتنياهو مراراً أن "الوضع القائم في الأقصى لن يتغيّر"، إلّا أن ما كشفه التحقيق يبيّن أن الصلوات اليهودية انتقلت أخيراً إلى مناطق أكثر مركزية في المسجد، بما فيها الجهة الغربية، التي تشهد مروراً دائماً للمصلين المسلمين. ويعود هذا التغيير بشكل كبير إلى سياسات وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، الذي أَطلق دعوات صريحة لفرض "الحرية الدينية لليهود في الأقصى"، بل وشارك شخصياً في اقتحامات علنية، أبرزها في ذكرى "تسعة آب" العبري، وأمر الشرطة بالسماح بأداء طقوس السجود الديني علناً. ويلخّص رئيس "يشيفات هار هبيت"، الحاخام إليشاع وولفسون، هذا التحوّل، بالقول: "في السابق، كنّا نهمس بصمت، اليوم نغنّي وننحني بلا خوف".
واللافت في نتائج التحقيق، أن ما يقارب نصف طلاب "يشيفات هار هبيت" هم من التيار الحريدي، على رغم أن المرجعيات الدينية لهذا التيار تُحرّم بشكل قطعي اقتحام "الأقصى". ووفقاً لأحد هؤلاء الطلاب، ويُدعى حاييم (38 عاماً)، فإنه خالف ما تربّى عليه بعد دراسات دينية معمّقة. ويرى أن "تحريم الاقتحام لا يستند إلى نصوص قاطعة"، متّهماً مَن يعارضونه بأنهم "يخضعون لضغوط سياسية وليس لشرائع التوراة".
ويضيف حاييم: "لم نحلم لألفي عام بالوصول إلى الحائط فقط، بل إلى ما خلفه. الحائط يقيّدنا... والحرية تكمن خلفه". وينقل التحقيق عن الحاخام وولفسون، قوله: "نحن في حالة حرب. العدو لا يستمدّ قوته من السلاح، بل من تمسّكه بالمكان. عندما نفهم أن كل جبل الهيكل لنا، سيتحقّق الخير للبشرية". ويذهب أحد المتحدّثين، ويُدعى إيليحنان، إلى اعتبار تسليم "الأقصى" للوقف الإسلامي من قِبَل وزير الأمن الأسبق، موشيه ديان، عام 1967، "خيانة تاريخية لا تُغتفر"، مضيفاً: "كانت لدينا الفرصة لاستعادة الهيكل، وأهدرناها".
