بعد جنين وطولكرم... نابلس هدفاً لـ«روتين» التوحّش الإسرائيلي
في عملية عسكرية تختلف عن نظيراتها في جنين وطولكرم، شرع جيش الاحتلال في عملية واسعة النطاق في نابلس، استهدفت على وجه الخصوص البلدة القديمة ووسط المدينة.


رام الله | شرع جيش الاحتلال، فجر أمس، في عملية عسكرية واسعة النطاق في مدينة نابلس، استهدفت على وجه الخصوص البلدة القديمة ووسط المدينة، التي فرض عليها جنود العدو حصاراً مشدّداً ومنعاً للتجوّل. وتُعدّ هذه العملية الأوسع من نوعها في نابلس، وهي تختلف عن نظيراتها في جنين وطولكرم، لكونها تستهدف المدينة والبلدة القديمة، لا مخيمات اللّاجئين، وهو ما يبعث برسالة مفادها أنّ عدوان «السور الحديدي» المستمرّ في شمال الضفة الغربية، والذي أطلقه جيش الاحتلال منذ عدة أشهر، لن يقتصر على المخيمات.
وبحسب المعطيات، فقد أصيب أكثر من 60 فلسطينيًا أثناء الهجوم على نابلس بالاختناق وشظايا الرصاص، في حين وُصفت حالة اثنين من هؤلاء بـ«الخطرة»، بعدما أظهر مقطع مصوَّر إطلاق جنود العدو النار من مسافة صفر على شابَّين زعم الاحتلال أنّهما حاولا السيطرة على سلاح الجنود الذين أظهر مقطع آخر في المقابل، إصابة عدد منهم بنيران زملائهم. وأكّدت مصادر محلّية ومقاطع مصوَّرة هبوط طائرات مروحية قرب نابلس، وقيامها بإجلاء الجنود المصابين، في حين تحدثت مصادر عبرية عن إصابة جنود آخرين بانفجار عبوة ناسفة في البلدة القديمة.
وكانت أطلقت قوات الاحتلال كمّية كبيرة من قنابل الغاز المسيّل للدموع والرصاص المطاطي تجاه المواطنين، واعتدت عليهم بالضرب، توازياً مع شنّها حملة مداهمات واسعة للمنازل واعتقال الشبّان. كما استهدفت الطواقم الطبّية والصحافية وسط المدينة، ومنعتها من العمل، محتجزةً أحد المصابين بجروح خطيرة. كذلك، فرض جيش العدو الذي يواصل الدفع بتعزيزات عسكرية تتمركز في وسط نابلس حصاراً على البلدة القديمة، وأعلن حظراً للتجوّل يشمل حارات البلدة، في حين أعلنت المحافظة تعطيل الدوام في المؤسّسات الحكومية والمدارس الحكومية والخاصة والجامعات ومؤسّسات المدينة. ورغم مرور ساعات على العملية العسكرية، لم يصدر أي بيان أو تعقيب من الناطق باسم الجيش عليها، وهو ما يجعلها أقرب إلى التدريب الوحشي المنتظم للجنود، أو محاولة لترسيخ رسائل السيطرة والإحكام، خاصة أنها لا تحمل في طياتها أيّ أهداف أو دواع أمنية.
وممّا يدلل على ذلك، غياب مجرياتها عن اهتمامات وسائل الإعلام العبرية، باستثناء حديث الأخيرة عن محاولة لخطف سلاح جندي في البلدة القديمة، وزعم «القناة 14»، المقرّبة من اليمين المتطرّف، أنّ العدوان على حي القصبة في نابلس يأتي من «أجل إحباط عمليات إرهابية، واقتلاع بنية تحتية إرهابية ظهرت في المنطقة»، وإشارتها إلى أنّ «قوات حرس الحدود وعناصر جهاز الشاباك وكتيبتين من قوات الاحتياط ووحدة دوفدوفان، جميعها تعمل في المنطقة، ومن المتوقّع أن تستمرّ العملية لساعات طويلة». ويأتي الهجوم على نابلس تزامناً مع استمرار العدوان على مدينتَي جنين وطولكرم منذ أكثر من 4 شهور، إذ وزّعت قوات الاحتلال خارطة تظهر فيها 100 بناية، تضمّ على الأقل 400 وحدة سكنية في عدّة حارات من مخيم جنين، سيتمّ هدمها خلال 72 ساعة من إصدار القرار، وذلك بعد 3 أشهر فقط من هدم أكثر من 66 منزلاً في حارات المخيم.
ويجيء ذلك فيما بات مخيم جنين فارغاً كليّاً من السكان، ومحاصراً جغرافيّاً من قبل جنود الاحتلال الذين لا يغادرون محيطه ومدينة جنين، حيث نصبوا بوّابات عسكرية، مع استمرار لعدوان بدأ منذ أكثر من 5 شهور، وأحدث دماراً في حوالي 600 منزل ومنشأة - بشكل جزئي أو كلّي -، ستنضمّ إليها حوالي 400 وحدة سكنية إذا ما تمّ تنفيذ الأمر الأخير، وهو ما سيجعل أكثر من ثلث المخيم مدمّراً بالكامل.
وتندرج عملية الهدم في تلك المنطقة ضمن الهدف المعلن عنه منذ البداية، وهو إحداث تغيير جغرافي وديمغرافي في مخيم جنين، ومحو هويته السياسية والوطنية والقانونية، وإعادة هندسته جغرافياً وديمغرافياً، وهو السيناريو الذي تعمل عليه إسرائيل منذ اللحظات الأولى للعدوان، عبر تقسيم المنطقة إلى مربّعات سكنية، وفتح شوارع ضخمة للسيطرة عليها عبر هدم ما يعترض طريق قوات الاحتلال من منازل ومنشآت، بما سيفضي بالنتيجة إلى تحويل المخيم إلى مكان غير قابل للحياة. إلّا أنّ العدوان لا يقتصر على هذا الأخير، بل يطال الأحياء المحيطة به، والتي باتت أغلبها خالية لصالح توسّع المساحة التي يسيطر عليها العدو، الأمر الذي رفع قيمة الأضرار في المدينة والمخيم إلى حدود 300 مليون دولار.
أيضاً، تواصل قوات الاحتلال هدم مبانٍ سكنية في مخيم طولكرم، لليوم الرابع على التوالي، خصوصاً في حارتَي البلاونة والعكاشة، وذلك تنفيذاً لمخطّط هدم 106 مبانٍ في كلّ من مخيمَي طولكرم ونور شمس، منها 58 مبنى في الأول وحده، تضم أكثر من 250 وحدة سكنية وعشرات المنشآت التجارية. وفي السياق نفسه، اقتحمت قوات الاحتلال، صباح أمس، عشرات القرى والبلدات في الضفة الغربية، إمّا لتنفيذ اعتقالات ومداهمات أو لتسليم إخطارات هدم واسعة، كانت أبرزها تلك التي طالت جميع منازل قرية النعمان الواقعة شرق بيت لحم، وعددها 45.
وبحسب مصادر محلّية، فإنّ هذه هي المرة الثانية خلال بضعة أشهر التي يتلقّى فيها الأهالي تلك الإخطارات الجماعية، وكان جيش العدو قد أبلغ المواطنين بشكل شفهي بأنّ الإخطار القادم سيكون الأخير، على أن يتبعه تنفيذ فعلي للهدم، ما يعني مسح قرية بأكملها، يعيش فيها أكثر من 150 شخصاً معظمهم من الأطفال والنساء، من الوجود. وتقع قرية النعمان شرق محافظة بيت لحم، وتبعد عن مركز المدينة حوالي 4.5 كم، وتحدّها من الشرق أراضي قرية الخَاص، ومن الشمال أراضي بلدة صور باهر في القدس المحتلة، ومن الغرب والجنوب مدينة بيت ساحور؛ وتهدف إسرائيل إلى تهجير سكّانها وضمّها إلى حدود بلدية الاحتلال في القدس، علماً أنّ مساحتها تبلغ 1500 دونم، ومنازلها مشيّدة من الحجر القديم. وعلى المنوال نفسه، اقتحمت قوات الاحتلال مخيم الجلزون قرب رام الله، وسلّمت إخطاراً بهدم عدة منازل ومسجد.
