سموتريتش يردّ على العقوبات: تقويض السلطة ماليّاً
بإلغاء إعفاء البنوك، تصبّ حكومة الاحتلال غضبها على السلطة الفلسطينية، مستخدمة أدوات الخنق المالي والاقتصادي عبر تهديد شبكة التحويلات ومقاصة الرواتب.


رام الله | مع كلّ قرار دولي ضدّها، تصبّ حكومة الاحتلال اليمينية، غضبها على السلطة الفلسطينية، تماماً كما حصل بعد قرار المملكة المتحدة، وأربع دول أخرى، فرضَ عقوبات على وزيرَي المالية بتسلئيل سموتريتش، والأمن القومي إيتمار بن غفير، شملت تجميد أصولٍ وحظرَ سفرٍ، على خلفية تحريضهما على العنف في الضفة الغربية. وما كان أمام سموتريتش إلّا أن أمر بإلغاء الإعفاء الذي كان يتيح التعاون بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية، ردّاً على "حملة نزع الشرعية" عن إسرائيل، التي تقودها السلطة عالميّاً، وفق ما ذكر مكتبه.
ومثّل الإعفاء، على مدى السنوات الماضية، حصانةً للبنوك الإسرائيلية لدى تحويل الأموال لصالح البنوك الفلسطينية، علماً أن تلك الآلية تحافظ على العلاقة المصرفية بين تل أبيب والسلطة، وتحمي البنوك الإسرائيلية من دعاوى غسل أموال أو تمويل إرهاب. وفي إطار هذا الإعفاء، تجري تحويلات أموال المقاصّة الشهرية، وكذلك مدفوعات التجارة وفواتير الكهرباء والمياه والمستشفيات بين الجانبين، حيث يدير مصرفا "ديسكونت" و"هبوعليم" العملية المالية وعلاقات البنوك الفلسطينية مع النظام المصرفي في إسرائيل.
وكما أن إلغاء الإعفاء سينزع الحصانة عن السلطة الفلسطينية، فإنه سيؤثّر استتباعاً على البنوك الإسرائيلية، التي ستصبح عُرضةً لدعاوى قضائية، سواء داخل إسرائيل أو في محاكم أميركية. وكانت وزارة المالية الإسرائيلية تجدّد الإعفاء سنوياً، بغرض إتاحة عمليات تحويل سلِسة للبنوك الفلسطينية، قبل أن يتم إلغاء التجديد السنوي، واستبداله بتجديد كل ثلاثة أشهر.
ويُتوقّع أن تترتّب على القرار تداعيات عدّة، لكنه لن يتسبّب على أيّ حال بانهيار النظام المصرفي الفلسطيني؛ ذلك أن الإعفاء يطاول واحدة فحسب من الوظائف الرئيسية التي تقوم بها البنوك داخل السوق الفلسطينية. غير أن الضرر الأكبر سيقع على حكومة رام الله، التي لن يكون في مقدورها تسلُّم أموال المقاصّة؛ كما سيطاول مخزون السلع في الأراضي الفلسطينية، لعدم وجود جهة إسرائيلية قادرة على تلقّي قيمة مدفوعات التجارة أو فواتير الطاقة والمياه.
وبعيداً من تداعيات قرار سموتريتش على النظام المصرفي الفلسطيني، يبدو واضحاً أنه يندرج ضمن أدوات عدّة تُشكّل معاً استراتيجيّته نحو السيطرة على الضفة الغربية، ومنها مصادرة أكبر قدْر ممكن من أراضيها، وإعادة رسم الديموغرافيا الفلسطينية، وحصر السكان في قلب المدن، وتقويض السلطة وإضعافها، عبر تهميش دورها الإداري في كثير من المناطق، والضغط الاقتصادي المستمرّ عليها. ويضاف إلى ذلك سعي حكومة بنيامين نتنياهو لإفقار الفلسطينيين في الضفة، وخلق صعوبات حياتية كبرى في وجههم، بهدف تهجيرهم في نهاية المطاف.
يبدو واضحاً أن قرار سموتريتش يندرج ضمن أدوات عدّة تُشكّل معاً إستراتيجيّته نحو السيطرة على الضفة
وقال سموتريتش، في تصريحات صحافية، أمس: "هناك كثير من الأضرار التي تسبّبها لنا السلطة الفلسطينية، ولذلك يجب أن نعمل من أجل انهيارها"، كاشفاً أن حكومته مَنعت فرض عقوبات أميركية على وزرائها، بعد تهديدها بمنع تمويل سلطة رام الله، كما دعا إلى "تمرير قانون في الكابينت يَعتبر السلطة الفلسطينية عدوّاً لنا". ومنذ تسلُّمه وزارة المالية، حوّل سموتريتش أموال المقاصّة إلى أداة ابتزاز للسلطة الفلسطينية، وأخضعها لسلسلة من الاقتطاعات الكبيرة، ما أضعفها وقلّص حجمها، فضلاً عن تحكُّمه ومماطلته في تحويلها في مواعيد محدّدة، وهو ما أثّر على قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها المالية، ودفعها إلى تقديم تنازلات في مسألة رواتب الأسرى والشهداء.
وعلى وقع قرار سموتريتش، وما أثاره من مخاوف حول تداعياته المتوقّعة، قالت سلطة النقد الفلسطينية إنه "لا صحة لادّعاءات انهيار المصارف الفلسطينية في أعقاب قرار إنهاء رسائل الضمان التي تصدرها المالية الإسرائيلية"، مشيرة إلى أنها "تتابع ردود الفعل على التهديدات الإسرائيلية بقطع العلاقة المصرفية مع البنوك الفلسطينية، وتحذّر من أن قطْعها ينذر بوقف توريد السلع الأساسية إلى السوق الفلسطينية".
وأضافت أنها تعمل منذ فترة "مع المستوى السياسي وأطراف دولية عديدة للحفاظ على العلاقة المصرفية المراسلة لضمان عمليات التبادل التجاري وتسديد أثمان السلع والخدمات، وعلى رأسها المواد الغذائية والكهرباء والمياه والمحروقات"، علماً أن المصارف الفلسطينية تعمل كوسيط مالي في تنفيذ عملية شراء تلك السلع والخدمات. وأكّدت سلطة النقد أن أموال المودعين لدى الجهاز المصرفي الفلسطيني، "محفوظة بأمان"، وأن المصارف "تتمتّع بملاءة مالية عالية وفقاً للمعايير الدولية ذات العلاقة، والجهاز المصرفي الفلسطيني سيبقى متّصلاً بالعالم الخارجي من خلال شبكة واسعة من البنوك حول العالم، ويقدّم الخدمات للمواطنين محلياً وعالمياً".
على أن هذه الطمأنة التي بثّتها سلطة النقد، لا تُعنى ببقية وجوه التصعيد الإسرائيلي الرامي إلى ضمّ الضفة الغربية وبسط السيادة عليها، بما يفضي إلى انهيار السلطة الفلسطينية، والذي يمثّل أحد الأهداف المعلنة لحكومة نتنياهو منذ اليوم الأول لتشكيلها، ويتكرّر يوميّاً على لسان رئيس الحكومة ووزرائها. وفي الطريق إلى ذلك، تتعزّز سياسة مصادرة الأراضي، وتوسعة البناء في المستوطنات القائمة، وإقامة مستوطنات جديدة، وتقطيع أوصال الضفة، وتدشين بنية تحتية لخلق تواصل جغرافي بين المستوطنات، وقطع التواصل بين المناطق الفلسطينية، إلى جانب الحرب الاقتصادية على السلطة عبر مسارات مختلفة.
وبدت إسرائيل، بعد ساعات من قرار الدول الأربع فرضَ عقوبات على سموتريتش وبن غفير، أكثر قلقاً إزاء تداعياته على الاقتصاد الإسرائيلي؛ إذ قال موقع "the marker" الاقتصادي، إنه "على الرغم من أن العقوبات على سموتريتش، شخصية، إلّا أنها ستترك أثرها على الاقتصاد الإسرائيلي، وخاصة على ما يُسمى صندوق الثروة، والمتعلّق بضريبة الأرباح الزائدة من حقول الغاز الإسرائيلية، ورئيسه هو وزير المالية نفسه بحسب القانون؛ ما يعني أنه قد لا يستطيع العمل والاستثمار من ناحية قانونية لأن رئيسه يخضع لعقوبات دولية"، علماً أن الصندوق جمع، حتى نهاية عام 2024، 2.08 مليار دولار، يُفترض أن تزيد بسرعة في السنوات المقبلة.
