استقالات جماعية في «الاتحادية»: أزمة دستورية تتهدّد العراق
تهزّ المحكمة الاتحادية في العراق استقالات جماعية، مهدّدة بشلل دستوري قبيل الانتخابات، وسط ضغوط حزبية متصاعدة وتجاذبات حول ملفات سيادية.


بغداد -
لم تكد المحكمة الاتحادية العليا في العراق تخرج من دوامة الطعون والنزاعات السياسية التي أربكت أداءها طوال السنوات الماضية، حتى وجدت نفسها في قلب أزمة جديدة قد تهدّد بنيتها، وتفتح الباب أمام فراغ دستوري معقّد، خصوصاً في ظل اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 11 تشرين الثاني المقبل.
إذ شهدت المحكمة، التي تُعدّ أعلى سلطة قضائية في البلاد، والمخوّلة تفسير النصوص الدستورية والفصل في النزاعات والمصادقة على نتائج الانتخابات، زلزالاً داخلياً تمثّل بتقديم رئيسها، القاضي جاسم محمد عبود العميري، استقالته - التي تمّ تبريرها صحيّاً لاحقاً -، إلى جانب استقالة تسعة من أعضائها، بينهم ستة أصليّون وثلاثة احتياط، في خطوة غير مسبوقة، لا من حيث التوقيت ولا من حيث التزامن الجماعي.
ووافقت اللجنة القضائية المختصّة على طلب استقالة العميري، التي تحوّلت إلى إحالة على التقاعد كون مبرّرها صحيّاً، ورَفعت توصية إلى رئيس الجمهورية لإصدار المرسوم الجمهوري اللازم، وهو ما حصل بالفعل؛ إذ صدر مرسوم بتعيين نائب رئيس محكمة التمييز الاتحادية، القاضي منذر إبراهيم حسين، رئيساً للمحكمة، وهو ما يضع الأخير في مواجهة تحديات سياسية وقضائية جسيمة.
ورغم أنّ التقاعد يُعدّ حقاً قانونياً مكفولاً، فإنّ ما يثير القلق - بحسب خبراء قانونيين - هو الغموض الدستوري في آلية التعامل مع الاستقالات الجماعية داخل المحكمة؛ إذ لا توجد مادة واضحة في الدستور أو قانون «الاتحادية» تنصّ على كيفية قبول تلك الاستقالات أو رفضها، ما يجعل المؤسسة تقف اليوم في منطقة رمادية قد تشلّ عملها وتمنعها من أداء وظائفها، وفي مقدّمتها المصادقة على نتائج الانتخابات.
ويرى القاضي منير حداد، نائب رئيس المحكمة الجنائية العليا السابق، في تصريح إلى «الأخبار»، أنّ «الوضع الحالي لا يُحتمل بقاؤه، فالعراق لا يمكن أن يُدار من دون وجود قضاة فاعلين في المحكمة الاتحادية»، محذّراً من «مخاطر الشلل القضائي ومحاولات إعادة القضاة المستقيلين عبر ضغوط سياسية قد تزيد من تعقيد الأزمة بدلاً من حلّها».
ومع أنّ مجلس القضاء الأعلى نفى وجود أي خلفية سياسية لاستقالة العميري، إلا أنّ مصادر قضائية مطّلعة تكشف، لـ«الأخبار»، عن ضغوط حزبية متصاعدة على المحكمة منذ أشهر، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات، في محاولة من بعض القوى للسيطرة على قرارات «الاتحادية» وتوجيهها بما يخدم مصالحها. وتضيف المصادر أنّ الاستقالات جاءت «ردّاً على تدخّلات سياسية مباشرة، شملت التفاوض مع بعض القضاة لإعادة النظر في ملفّات حسّاسة»، من بينها ملف تمويل إقليم كردستان والخلاف الحدودي مع الكويت حول خور عبد الله، وهما ملفّان كان من المقرّر البتّ فيهما أثناء جلسة حاسمة عُطّلت إثر الاستقالات.
ويعتقد المحلل السياسي، علي الجاف، أنّ خطورة الأزمة لا تكمن في الاستقالات بحدّ ذاتها، وإنما في التبعات الدستورية المحتملة لها. ويقول الجاف، لـ«الأخبار»، إنّ «غياب المحكمة الاتحادية أو عجزها عن الانعقاد سيؤدّي تلقائياً إلى شلّ الدورة الدستورية، من المصادقة على نتائج الانتخابات إلى تحديد الكتلة الكبرى وتكليف رئيس الوزراء». ويضيف أنّ «استغلال هذه الأزمة أو توظيفها سياسياً سيكون بمثابة لعب بالنار».
أمّا في الميدان السياسي، فقد دعا القيادي في «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، هوشيار زيباري، في تصريح، إلى «إعادة تشكيل المحكمة الاتحادية وفق المادة 92 من الدستور»، مؤكّداً أنّ «استقلال القضاء شرطٌ أساسيّ لاستقرار الدولة، وأنّ الأزمة الحالية تعكس خللاً بنيوياً ينبغي معالجته فوراً عبر تشريع قانوني جديد يضمن آليات التعيين والاستقالة بعيداً عن الضغوط».
وأمام هذا المشهد المعقّد، تتعالى الأصوات المطالبة بضرورة تدخّل مجلس النواب لسدّ الفراغ الحاصل، وسنّ قانون خاص يحدّد بوضوح إجراءات الاستقالة، وآلية اختيار البدلاء داخل المحكمة، منعاً لانفجار أزمة دستورية في بلد لم يتعافَ بعد من الأزمات السياسية والأمنيّة المتلاحقة.
وفي هذا السياق، يقول عضو مجلس النواب، ماجد شنكالي، إنّ «غياب المحكمة الاتحادية سيُعطّل إجراء الانتخابات، وهو أمر بالغ الخطورة»، منتقداً، في تصريح إلى «الأخبار»، ما وصفه بـ«أخطاء كارثية ارتكبها رئيس المحكمة السابق، بدءاً من طريقة تعديل القانون، ووصولاً إلى حضوره غير المبرّر لاجتماعات ائتلاف إدارة الدولة»، في إشارة إلى خرق مبادئ استقلال القضاء.
هكذا، تتقاطع المخاوف القانونية مع التجاذبات السياسية، في لحظة دقيقة، إذ تتوقّف دورة السلطة على قدرة المحكمة الاتحادية على البقاء كمؤسسة دستورية فاعلة، لا رهينة التوازنات الحزبية. لكن المؤشرات حتى الآن تنذر بأنّ الأزمة قد لا تُحلّ قريباً، ما لم تتحرّك السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، لاحتوائها قبل أن تتحوّل إلى مأزق دستوري شامل يضع البلاد على حافة فراغ سياسي خطير.
