
يمثّل قرار حزب «شاس» الحريدي الانسحاب من الحكومة الإسرائيلية مزيجاً من التصعيد والحذر؛ إذ إن انسحابه لم يُرفق بخطوات حاسمة تُفضي إلى إسقاط الحكومة، بعدما أبقى الحزب على عضويته داخل الائتلاف. وإذ يبدو هذا القرار من الخارج رمزياً، فهو يكشف حجم الضغوط المتزايدة على الحزب كما على الحكومة، في ظلّ الخلاف المتصاعد في شأن قانون التجنيد بين الأخيرة والجماعات الحريدية. ويسعى «شاس»، من خلال ذلك الموقف، إلى ما يشبه «الإمساك بالعصا من المنتصف»؛ فهو يلوّح بالانسحاب لممارسة الضغط، من دون أن يصل إلى حدّ تهديد مستقبله السياسي أو الدفع نحو انتخابات مبكّرة غير مضمونة النتائج.
هكذا، قرّر الحزب تنفيذ انسحاب جزئي تمثّل في استقالة وزرائه الخمسة من مناصبهم، فيما بقي هو جزءاً من الائتلاف، معلناً بشكل واضح أنه لن يتعاون مع المعارضة، ولن يدعم أي محاولة لحلّ «الكنيست» أو إسقاط الحكومة. ويتيح هذا البقاء، لـ»شاس»، الحفاظ على تمثيله في اللجان البرلمانية وإدامة نفوذه في العمل التشريعي، كما يضمن له الاستمرار ضمن دائرة التأثير السياسي، ولا سيما في ظل حاجة رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، إلى دعم كل مكوّنات الائتلاف الهشّ، الذي بات يضمّ 61 مقعداً فقط بعد انسحاب الحزبين الحريديين الآخرين، «ديغل هتوراه» و«أغودات يسرائيل». وإذا ما قرّر «شاس» لاحقاً الانسحاب الكامل، فإن حكومة نتنياهو ستتحوّل إلى حكومة أقلّية لا تملك سوى خمسين مقعداً من أصل 120.
في المقابل، يتيح الانسحاب الجزئي لحزب «شاس» أن يظهر بمظهر المتشدّد أمام قاعدته الانتخابية ومجتمعه الحريدي، خصوصاً في ظلّ تصاعد المطالب بحماية طلاب المعاهد الدينية من التجنيد الإجباري. غير أن الخطوة لا يمكن فهمها خارج السياق الداخلي للحزب، أو علاقته المعقّدة ببقية الأحزاب الحريدية. فعلى الرغم من التوتر المتزايد في شأن قانون التجنيد، إلا أن «شاس» ليس في وارد التصعيد الأقصى، لما ينطوي عليه هذا الأخير من مخاطر جدّية مثل خسارته عدداً من المقاعد، أو تراجع النفوذ السياسي داخل «الكنيست» والحكومة. كما أن الحزب سيخسر في هذه الحالة مكاسب اقتصادية واجتماعية يحقّقها حالياً من خلال مشاركته في السلطة.
خطوة «شاس» تهدف إلى ممارسة ضغط سياسي، من دون المغامرة بإسقاط الائتلاف
ويأتي هذا فيما تحوّل قانون التجنيد، بصيغته المطروحة في «لجنة الخارجية والأمن» في «الكنيست»، إلى مصدر تغذية للخلاف على الهوية نفسها. فالقانون، من منظور الجماعات الحريدية، يشكّل تهديداً مباشراً لـ«قدسية» التعليم الديني، كما تراه الشريعة اليهودية؛ ومحاولة لفرض «الاختلاط القسري» بين الشبان الحريديم والعالم الخارجي «الموبوء»، بما يحمله ذلك من تأثيرات سلوكية واجتماعية تهدّد بنية هذا المجتمع وتماسكه.
لكن، وعلى الرغم من عمق الأزمة، وعلى الرغم كذلك من انضمام «شاس» إلى موجة التهديد الحريدي للحكومة، إلا أن الأخيرة لا تبدو مهدّدة بالسقوط الفوري، بل من المُرجّح أن تواصل عملها لأشهر مقبلة، ما يمنحها استقراراً نسبياً. وهذا الوضع لا يصبّ في مصلحة نتنياهو فقط، بل يناسب أيضاً الأحزاب الحريدية، التي تدرك أن انهيار الحكومة قد يعود عليها بأضرار تفوق ما قد يصيب خصومها. ومن هذا المنظور، يبدو أن نتنياهو أصاب في رهاناته على تقاطع المصالح مع تلك الأحزاب، فيما يظهر أن الجميع، بمن فيهم هو، يعوّلون على عامل الوقت لحل الأزمة، وربما لفرض تسوية جزئية تُرضي الأطراف المختلفة من دون الحاجة إلى حلّ الحكومة أو الذهاب إلى انتخابات جديدة.
مع ذلك، ومع أن قرار «شاس» لم يؤدِّ حتى الآن إلى انهيار الحكومة، إلا أنه حدّد مهلة زمنية حاسمة: نهاية تشرين الأول المقبل، أي موعد بداية الدورة البرلمانية الجديدة. فإذا لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق قبل ذلك، فإن الحزب قد يعمد إلى خطوات تصعيدية فعلية، تشمل الانسحاب الكامل من الائتلاف، والدفع نحو حلّ «الكنيست»، والاستعداد الفعلي لمعركة انتخابية جديدة. وحتى يحين الموعد المذكور، تبقى الساحة السياسية مفتوحة على كل الاحتمالات، في ظلّ مفاجآت ومتغيّرات متسارعة.

