واشنطن تهدّد بغداد: ممنوع تمرير قانون «الحشد»
تصاعد الخلاف بين بغداد وواشنطن حول قانون «الحشد الشعبي» يكشف صراع الإرادات بين مشروع السيادة الوطنية والهيمنة الأميركية المستمرّة منذ 2003.


بغداد | يتّجه المشهد العراقي إلى مزيد من التوتر السياسي والأمني، في ظلّ تصاعد الخلافات، سواء بين الحكومة والفصائل المسلحة، أو بين بغداد وواشنطن. فبينما تحاول حكومة محمد شياع السوداني تمرير قانون «هيئة الحشد الشعبي» كجزء من إصلاح المؤسسات الأمنية، ترفض الولايات المتحدة هذا التوجّه، وتُحذّر من تداعياته على «سيادة العراق» بزعم أنه يمنح الجماعات المقرّبة من إيران شرعية قانونية موسّعة. في المقابل، رفعت الفصائل، وعلى رأسها «كتائب حزب الله» و«النجباء»، مستوى التهديد، ممهلةً الحكومة شهرين فقط لتنفيذ قرار البرلمان بإنهاء الوجود الأميركي، وإلا فإنّ «الخيار سيكون عسكرياً».
وعاد الخلاف العلني في شأن تشريع قانون «الحشد الشعبي» إلى الواجهة، بعد مكالمة هاتفية جرت بين السوداني ووزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الذي أعرب عن «مخاوف» بلاده من المضي في إقرار القانون، محذّراً من أنّ هذا الأخير «سيعزّز النفوذ الإيراني، ويقوّض سيادة العراق». وجاءت تصريحات روبيو، التي نُشرت على منصّة «إكس»، بعد أيام من زيارة قائد «القيادة المركزية الأميركية»، مايكل كوريلا، إلى بغداد، من دون أن يتطرّق عبرها إلى ملف انسحاب القوات الأميركية، ما فُهم على أنه تراجع عملي عن اتفاق إنهاء الوجود العسكري.
وفيما قدّمت الحكومة العراقية رواية مختلفة للمكالمة الهاتفية مع روبيو، أكّدت فيها أنّ القانون يأتي ضمن «إصلاح المؤسسة الأمنية» و«برنامج حكومي أقرّه البرلمان»، فإنّ التوتر تزايد مع تلقّي السوداني رسائل مباشرة من القائم بأعمال السفارة الأميركية، ستيفن فاجن، تضمّنت تحذيرات من أنّ استمرار تسليح الفصائل سيستجلب «تدخّلاً دولياً حاسماً»، في حال عجزت الحكومة عن حسم هذا الملف.
وفي خضمّ هذا التجاذب، أصدرت «كتائب حزب الله» بياناً هو الأوضح من حيث التهديد، أكّدت فيه أنّ مهلة الشهرين المتبقّية هي «الفرصة الأخيرة» أمام السوداني للوفاء بالتزامات سابقة، تقضي بإخراج القوات الأميركية ولا سيّما من قيادة العمليات المشتركة ومطار بغداد وقاعدة «عين الأسد» في الأنبار. واعتبرت أنّ «عدم الالتزام يعني أنّ للمقاومة رأياً آخر»، في إشارة إلى احتمال اللجوء إلى السلاح. ورأت حركة «النجباء»، بدورها، في تصريحات وزير الخارجية الأميركي «تدخّلاً سافراً» في شؤون العراق، داعية الحكومة إلى الردّ عليه ورفض «هذا التصرّف الوقح». وأضافت في بيانها إنّ «المقاومة ضرورة وطنية لحماية البلاد من الانتهاكات بكل أشكالها».
وفي السياق ذاته، أكّد قيادي بارز في أحد فصائل المقاومة، لـ«الأخبار»، أنّ «الفصائل موحّدة في قرارها: إمّا إخراج القوات الأميركية في المهلة المتبقّية، أو أن يكون الخيار عسكرياً وليس سياسياً أو دبلوماسياً»، مضيفاً إنّ «الحكومة ملزمة بتنفيذ قرار البرلمان، وألّا تُطوى صفحة المفاوضات من دون نتائج».
فصائل المقاومة تمنح الحكومة مهلة شهرين لإخراج القوات الأميركية
وتشهد الساحة السياسية العراقية انقساماً في شأن توقيت تشريع قانون «الحشد». فبينما يؤكّد نواب «الإطار التنسيقي» أنه لا تراجع عن تمرير القانون، رُصد انسحاب بعض الكتل من جلسة مناقشته في البرلمان، أمس، وسط تسريبات عن تجميد مؤقّت للنقاشات بضغط من واشنطن. وأوضح عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، علي البنداوي، في حديث إلى «الأخبار»، أنّ «القانون تمّت مناقشته داخل اللجنة وأنّ جميع مواده جاءت من الحكومة وهيئة الحشد»، معتبراً أنّ الاعتراض الأميركي عليه «ذريعة مرفوضة».
وأضاف: «الحشد قوة عقائدية تأسست بفتوى المرجعية والقانون جاء لتنظيم أوضاع الشهداء والجرحى وضمان حقوقهم». وكان حذّر رئيس البرلمان، محمود المشهداني، قبل أيام، من أنّ التمسّك بتمرير القانون رغم الاعتراض الأميركي قد يؤدّي إلى احتجاجات واسعة في البلاد، ويفتح الباب أمام احتمالات منها إعلان «حكومة طوارئ».
ويرى مراقبون أنّ التصعيد الجاري هو امتداد لمعركة الإرادات بين مشروعين متناقضين: مشروع «السيادة الوطنية» الذي تتبنّاه فصائل المقاومة وقوى «الإطار التنسيقي»، ومشروع الهيمنة الأميركية المستمر منذ 2003. ويقول الباحث الأمني المقرّب من الفصائل، علي فضل، إنّ «أميركا تعارض قانون الحشد وتخشى تنظيم صفوفه، بينما ترفع العقوبات عن إرهابيين مثل الجولاني… هذا هو العهر الأميركي»، معتبراً أنّ «ردّ السوداني كان واضحاً والقرار عراقي داخلي لا علاقة لواشنطن به».
وعليه، فإنّ المرحلة المقبلة مرشّحة لمزيد من التوتر، خصوصاً مع اقتراب نهاية المهلة التي منحتها الفصائل للحكومة. وفي ظلّ الصمت الأميركي تجاه الانسحاب وتزايد الهجمات على مصالح واشنطن في العراق، فإنّ سؤال المواجهة قد يعود مجدّداً إلى الواجهة ولا يبقى خياراً نظرياً.
وفي هذا الجانب يرى الباحث في الشأن السياسي والأكاديمي، حسام عدنان، في تصريح إلى «الأخبار»، أنّ «مآلات هذا الصراع ستكون رهناً بقدرة السوداني على المناورة بين الضغوط الأميركية ورغبة الحلفاء الداخليين، من دون أن يفقد السيطرة أو يتحوّل الملف إلى أزمة مفتوحة». ويرجّح أنه إذا مُرّر القانون في البرلمان، لا سيّما أنّ نواب «الإطار» يشكّلون الأغلبية، ستكون هناك عقوبات أميركية من جهة وامتعاض داخلي من قوى سياسية كالكرد والعرب السنّة الذين يتحفّظون على القانون من جهة أخرى.
ويعتبر أنّ «التوتر القائم بين واشنطن وبغداد بشأن قانون الحشد الشعبي يعكس حجم التعقيد في العلاقة بين الطرفين، فبينما ترى الحكومة العراقية أنّ القانون يأتي ضمن مسار إصلاح المؤسسات الأمنية، تعتبره الولايات المتحدة خطوة تهدّد توازن النفوذ في العراق». ويضيف عدنان إنّ «القانون بحدّ ذاته ليس المشكلة، بل توقيت طرحه وتزامنه مع تصاعد التوتر الإقليمي وضغوط داخلية من فصائل مؤثّرة تطالب بتشريعه».
