نحو إغلاق «عين الأسد» في أيلول: انسحاب جزئي لا يُطمئن المقاومة
الانسحاب الأميركي من قاعدة «عين الأسد» يفتح مرحلة جديدة في العراق، بين ضغط المقاومة لإخراج الاحتلال كاملاً، ومساعي واشنطن لإعادة تموضع نفوذها بوسائل مختلفة.


بغداد | بدأت القوات الأميركية الانسحاب الفعلي من قاعدة «عين الأسد» في محافظة الأنبار غربي العراق، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ سنوات، إذ شمل النقل أفراداً ومعدّات في اتجاه قواعد في شمال العراق وأخرى في سوريا. ووفق مصادر أمنية عراقية، يُنتظر أن تُغلق القاعدة نهائياً منتصف أيلول المقبل، على أن يقتصر الوجود الأميركي على أقلّ من 500 جندي في أربيل.
ومثّلت قاعدة «عين الأسد»، تاريخياً، أحد أبرز مراكز الوجود الأميركي في العراق منذ عام 2003، قبل أن تنسحب القوات الأميركية منها عام 2011 وتعود إليها في 2014 في أثناء الحرب ضدّ تنظيم «داعش». ومع الإعلان عن إغلاقها قريباً، تتّجه الأنظار إلى تداعيات هذه الخطوة على التوازنات الداخلية، وسط مخاوف من أن يتحوّل الانسحاب إلى عامل إضافي في تعقيد المشهدَين السياسي والأمني في العراق، رغم أنه يأتي في إطار اتفاق سابق بين بغداد وواشنطن لإنهاء المهام القتالية لـ«التحالف الدُّولي».
وأكّدت «تنسيقية المقاومة العراقية» في بيان، أمس، أنّ «أيادي رجال المقاومة لا تزال على الزّناد دفاعاً عن العراق وشعبه»، محذّرة من استمرار الطلعات الجوية الأميركية التي وصفتها بأنها «انتهاك للسيادة». ودعت التنسيقية البرلمان والحكومة إلى «تحمّل مسؤولياتهما عبر إلزام القوات الأميركية بالانسحاب الحقيقي والكامل، بما يضمن السيادة الكاملة للعراق».
وكشف مصدر بارز في إحدى فصائل المقاومة، بدوره، لـ«الأخبار»، أنّ المقاومة «أبلغت الحكومة بوضوح بأنها لن تتخلّى عن سلاحها، خصوصاً بعد إعلان (رئيس وزراء العدو، بنيامين) نتنياهو، مشروع إسرائيل الكبرى، ما يجعل العراق جزءاً من هذا المشروع»، مضيفاً أنّ «الحكومة ترى الأمر سياسياً، لكننا نراه وطنياً، ولدينا تجارب مريرة مع الاحتلال».
وفي تعليقه على تلك التطوّرات، يرى القيادي في «الإطار التنسيقي»، علي الموسوي، في تصريح إلى «الأخبار»، أنّ «الانسحاب الأميركي من عين الأسد، وإن بدا خطوة نحو إنهاء الوجود العسكري، فهو لا يعني أنّ واشنطن ستتخلّى عن نفوذها في العراق». ويعتقد أنّ «التوقيت بالغ الحساسية، إذ يتزامن مع اقتراب الانتخابات، ما قد يعرّض العراق لضغوط أمنية وسياسية واقتصادية إضافية». لكنه يؤكّد أنّ «الإطار لا يرى في الانسحاب خطراً أمنياً مباشراً، بل فرصة لتعزيز قدرات القوات العراقية وتحقيق السيادة الكاملة، شرط أن ترافقه سياسات حكومية واضحة لتجنّب العقوبات».
الانسحاب قد لا يعني نهاية النفوذ الأميركي بل إعادة تموضع بوسائل مختلفة
أمّا الباحث الأمني، علي البهادلي، فيعتبر، هو الآخر، أنّ الانسحاب «قد لا يعني نهاية النفوذ الأميركي في العراق، بل إعادة تموضع بوسائل مختلفة، سواء عبر الطلعات الجوية أو الضغط المالي»، لافتاً إلى أنّ «تجارب ما بعد 2011 أظهرت أنّ الفراغ الأمني كثيراً ما يُستثمر لخلق أزمات جديدة». وفي الاتجاه نفسه، يحذّر مدير «مركز قراءات»، أثير الشرع، في تصريح إلى «الأخبار»، من أنّ الانسحاب قد يفتح الباب أمام «تشديد أميركي عبر العقوبات الاقتصادية والمالية، وربما قصف إسرائيلي لمواقع داخل العراق». ويعتبر أنّ الحكومة «أمام تحدٍّ كبير قد ينعكس على مسار الانتخابات المقبلة وشفافيّتها».
على أنّ الانسحاب من «عين الأسد» لا يُقرأ عراقياً فقط؛ بل كحلقة ضمن مشهد أوسع، من بين عناوينه اشتباك إيراني - إسرائيلي مفتوح بأدوات متعدّدة، وضغط أميركي مالي وأمني متدرّج، وحدود سورية - عراقية رخوة لطالما كانت ممرّاً للتهريب ولعودة فلول «داعش». وعليه، فإنّ أي فراغ في غرب الأنبار أو بادية نينوى قد يُستثمر سريعاً، فيما يبقى التموضع الأميركي في التنف أداة ضغط نسبية. وإذ يشجّع محور التطبيع الإقليمي، تل أبيب، على توسيع هامش الحركة، بما يرفع مخاطر «الضربات بالوكالة» داخل العراق، فإنّ توقيت الانسحاب ومداه يصبحان - والحال هذه - جزءاً من معادلة ردع متبادلة؛ أي كلما ازداد الاحتكاك الإقليمي، تعاظمت كلفة الفراغ الأمني السريع وغير المُدار.
لكنّ الباحث الأمني العراقي، جودت كاظم، يؤكّد، لـ«الأخبار»، أنّ «العراق قادر على إدارة الأمن الداخلي من دون مظلّة قتالية أجنبية، شرط تعويض ثلاثة عناصر بسرعة: تدفّق المعلومات الفنية ودعم الدفاع الجوي القصير والمتوسط وتمويل مراقبة الحدود. من دون ذلك، سنرى ارتفاعاً في وتيرة الخلايا الصغيرة وقدرة الخصوم على المناورة». ويضيف أنه «عملياً، يمكن تقليل أثر خروج التحالف عبر اتفاقات ثنائية تقنية (تدريب، وصيانة ومشاركة بيانات محدودة)، وتفعيل غرفة عمليات إقليمية لضبط الحدود، مع خطّة زمنية مرنة للانسحاب تمنح القوات العراقية هامش تولّي المهام من دون اهتزاز».
