«المحميّات» الأميركية تتحسّس رؤوسها: متى يجيء دورنا؟
الغارة الإسرائيلية في الدوحة كسرت خطاً أحمر تاريخياً في أمن الخليج، كاشفةً ارتخاء مظلّة الحماية الأميركية وخطر تحوّل إسرائيل إلى أداة وصاية مباشرة.


لم يكن القصف الإسرائيلي في الدوحة استهدافاً عادياً لقيادة حركة «حماس» التي تعرّضت لاستهدافات كثيرة مماثلة، وإنما كان تعريضاً لأمن الخليج لخطر لم يعهده طوال تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي، من تحت إبط مَن يفترض أنه حامي تلك المنطقة بالأجرة، أي الولايات المتحدة. والأخيرة لم تمض سوى أشهر قليلة على عودة رئيسها من جولة شملت قطر والسعودية والإمارات، ظافراً بما يزيد عن 5 تريليونات دولار، تمثّل عملياً ثمناً لتلك الحماية.
تساؤلات كثيرة تقفز إلى الذهن بعد العدوان، لعلّ أبرزها التالي: هل كان ما جرى رسالة أميركية بأن يد إسرائيل مطلقة في تأديب من يجب تأديبهم، ممّن يريدون التمايز في الموقف، والاستفادة من قدر من الهوامش في العلاقة مع الولايات المتحدة، وأن واشنطن تتّجه إلى تكليف تل أبيب بإنجاز المهمات التي تريدها في المنطقة، وأن قطر باعتبارها الدولة الأكثر اضطلاعاً بمهمات تتعلّق بأزمات الشرق الأوسط، ولا سيما القضية الفسطينية، هي التي ستدفع الثمن الأكبر؟
على أنه إذا كانت الغارة الإسرائيلية تشير إلى «خروج حكومة نتنياهو عن السيطرة»، وفق تعبير السناتور الأميركي، بيرني ساندرز، فإنها لا يجب أن تكون مفاجئة إلى هذا الحد، ولا سيما أن ثمّة دعوات من داخل الحكومة الإسرائيلية إلى استهداف قيادة الحركة في الدوحة منذ أشهر. لكنّ ثمة حديثاً يتردّد عن أن واشنطن في صدد تغيير هذه السياسة، وأنها، مثل تل أبيب، لم تعد تريد التفاوض مع «حماس»، وإنما دفعها إلى الاستسلام. وثمّة تصريحات كثيرة خلال عهد الإدارتين السابقة والحالية تشير إلى أن واشنطن واقعة تحت ضغط كبير من إسرائيل وقوى محلية أميركية موالية لها لإنهاء السماح لقطر بالاستمرار في استضافة قيادة «حماس».
وترامب الذي ظهر في مظهر المُحرج، وتعهّد لأمير قطر، تميم بن حمد، بأن لا يتكرّر العدوان، هو نفسه الذي قال قبل 3 أيام بالتحديد، إنه حذّر «حماس من عواقب رفض» مبادرة الحل، مشيراً إلى أن «هذا التحذير هو الأخير. ولن يكون هناك تحذير آخر». ولذلك، يبدو أن إبداء الرئيس الأميركي عدم ارتياحه للعملية الإسرائيلية، كان محاولة للتبرير، وطمأنة قطر ودول أخرى، أكثر منه سعياً للتنصّل من المعرفة المُسبقة بالعملية وإجازتها، أو حتى استدراج قيادة «حماس» إلى اجتماع يتيح ضربها، عبر تقديم مبادرة جديدة، قبل يوم واحد من الهجوم، بدت خارج السياق في ضوء التحذير المذكور.
يبدو الأميركيون والإسرائيليون مطمئنّين إلى أن الخيارات أمام دول الخليج محدودة جداً
ومهما كانت الظروف التي رافقت الغارة، فإن المؤكّد أنها تضرب ركيزة أساسية من ركائز أنظمة الخليج، وهي الأمن، والتي وفّرت إلى جانب الثروة، استقراراً لأنظمة دول لا تعدو أن تكون محميّات أميركية، ومكّنتها من عبور أحداث عاصفة ضربت المنطقة خلال العقد ونصف العقد الماضيين؛ بل وأتاحت لها لعب أدوار كبيرة خارج حدودها، والمشاركة في صياغة واقع دول أخرى، وصناعة حكامها، والتحكّم في قواها السياسية. وامتدّ تأثير تلك الأنظمة، والحال هذه، ليصبح عالمياً بفضل المنافسات بين القوى العالمية على نيل حصص من ثرواتها أو تأمين إمداداتها النفطية في ظل الأزمات التي ولّدتها الحروب الأخيرة.
وفي الخليج، ثمّة مفهوم للأمن الجماعي تحافظ عليه دول المنطقة، على الرغم من منافساتها ومنازعاتها الكثيرة حول الأدوار السياسية والاقتصادية والحدود، ويجري تنسيقه من خلال «مجلس التعاون الخليجي» الذي يُعتبر أكثر المنظومات العربية فعّالية، ولو كان تحت المظلة الأمنية الأميركية. وفي هذا الإطار، يبدو من الدلالات البارزة للعدوان الذي أثار سخطاً شعبياً عربياً عارماً، وأعاد رفع صوت «المندبة» حول الوهن العربي، هو أن من شأنه، إذا تحوّل إلى سياسة إسرائيلية مدعومة أميركياً، إسقاط آخر الحصون العربية التي ظلّت بعيدة عن يد إسرائيل العسكرية الغليظة، بمعزل عن الأسباب.
كما أن هذه الاستباحة الإسرائيلية، تمثّل إيذاناً بأن إسرائيل، بعد «طوفان الأقصى»، لم تعد معنيّة في مسائلها الأمنية بأي ترتيبات من تلك التي كانت مطروحة قبل السابع من أكتوبر 2023، وكان مُقدّراً فيها أن تلعب دوراً في الأمن الخليجي، علماً أن لها حالياً علاقات أمنية مع بعض دول الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية والبحرين.
وعلى الرغم من أن التجرؤ على تنفيذ عملية حسّاسة من هذا النوع، يمكن أن يمثّل مخاطرة بمصالح أميركية، إلا أن الأميركيين والإسرائيليين يبدون مطمئنين إلى أن الخيارات أمام دول الخليج محدودة جداً. لكن ذلك لا يغيّر حقيقة أن هذه الدول معنيّة، في ضوء ما حصل، بإعادة النظر في مجمل بنيتها الأمنية، إذ صار واضحاً أنها ليست بعيدة عن التغييرات التي تريد إسرائيل فرضها، بالتنسيق مع الولايات المتحدة التي يبدو أنها هي نفسها تشهد تغييراً في النظرة إلى العلاقات مع الخارج، من زاوية مراجعة جدوى توفير مظلّات أمنية هنا وهناك.
فالإدارة الحالية تنقسم بين فريقين: أحدهما صهيوني يزايد على كثير من المتطرّفين الإسرائيليين، والآخر انعزالي لا يريد دفع كلفة ضمان أمن دول أخرى، على الرغم من أن ترامب نفسه لطالما تحدّث عن الحماية المدفوعة الأجر، ليس مع الخليجيين فحسب، وإنما مع دول كاليابان وكوريا الجنوبية وأعضاء في حلف «الناتو».
على أن أيّ تعديل في البنية الأمنية الخليجية، لن ينطلق فقط من فكرة الوقاحة الإسرائيلية، أو ارتخاء الضمانة الأميركية، بل أساساً من الغضب المتراكم بين شعوب هذه الدول، والذي لا يفتأ يتعاظم مع استمرار المجازر في قطاع غزة، ومدّ إسرائيل يدها إلى مزيد من الدول العربية والإسلامية، وتهديد وحدتها، وهو أيضاً ما سيكون له تأثير على أنظمة الخليج نفسها، ولا سيما أن إحدى أهم نقاط ضعف الأمن الخليجي هي افتراق الأنظمة عن خيارات شعوبها.
لكنّ السؤال الأساسي الذي يؤرّق دول الخليج في ضوء ما حصل هو: هل ستنجو هذه المرة، كما نجت من الأحداث التي جرت خلال العقد ونصف العقد الماضيين، أم أنها ستعيش ما عاشته غيرها من الدول العربية؟
