إسرائيل بمواجهة «التهديد» العراقي: كلّ السيناريوات واردة
ترى إسرائيل في الفصائل العراقية تهديداً مباشراً، وتناقش سيناريوات المواجهة بين الضغط الأميركي والخيار العسكري المليء بالمخاطر.


تَبرز الساحة العراقية من بين الساحات التي تتصدّر قائمة المخاوف الإسرائيلية، ليس لكون العراق عدوّاً تقليدياً، بل لأن فيه فصائل كثيرة معادية لإسرائيل، هي في الوقت ذاته جزء لا يتجزّأ من الدولة؛ وقد شاركت، في الأشهر الأولى من الحرب، في مسار إسناد قطاع غزة، قبل أن تعلّق مشاركتها فيه. وترى إسرائيل أنه يمكن تقسيم التهديد العراقي إلى مستويَين: تهديد الدولة (غير المطبّعة) التقليدي الذي تتعايش معه، وتهديد فصائل المقاومة - «كتائب حزب الله» و«عصائب أهل الحق» و«النجباء» وغيرها -، التي تنشط وتتماهى مع المحور التي تقوده إيران، وإنْ كانت لها خصوصيتها وهوامش من استقلالية قراراتها.
وإلى جانب العداء للكيان، تمتلك تلك الفصائل قدرات عسكرية قادرة على الوصول إلى العمق الإسرائيلي، وإيذاء العدو؛ وفيما تستثمر في موقع العراق الجغرافي، القريب نسبياً من إسرائيل، فهي تستفيد أيضاً من الدعم الإيراني - على اختلاف مستوياته -، الذي يمثّل مركّباً إضافياً يزيد من حجم التهديد، ومن إمكانات تفعيله عند الضرورة. غير أن الخطر القادم من الساحة العراقية، كما تشخّصه تل أبيب، له خصوصية ليست قائمة في ساحات أخرى، وهو ما يعقّد عليها مهمّة المواجهة، كون الفصائل جزءاً من القوات المسلّحة العراقية، فضلاً عن أنها ممثّلة في الدولة ومؤسّساتها، ولديها وزراء ونواب في البرلمان، وأيضاً موازنة حكومية؛ ويعدّ بقاؤها مطلباً شعبياً (لدى شريحة واسعة من الجمهور)، وهي تحوز (ولا سيما «الحشد الشعبي») تغطية المرجعية الدينية في النجف.
ويُضاف إلى التعقيدات المذكورة، الوجود الأميركي في العراق، الساعي في اتّجاه تحقيق المصالح الإسرائيلية في مواجهة الفصائل، لكن القادر في الوقت نفسه على الحدّ من تفعيل قدرات تل أبيب في هذا البلد، ليس لأن واشنطن تراعي مصالح العراقيين، وتريد منع الإضرار بهم أو تجاوُز سيادتهم، بل لأن أيّ تهوّر إسرائيلي قد يدفع الفصائل إلى الإضرار بالأميركيين وبمصالحهم هناك.
لكن، هل يعني ذلك أن إسرائيل ستنكفئ وتتراجع عن مواجهة التهديد العراقي؟ لا؛ لأنه تبقى لديها مروحة خيارات في هذه الساحة، وإن كان الخيار الأول بالنسبة إليها الاتكاء على الجانب الأميركي، وترقُّب نتائج مقاربته للتهديدات المتشكّلة هناك، مع العمل على التأثير في توجهات واشنطن وإستراتيجيتها للمواجهة، والتي تتشابه ما بين العراق ولبنان، وإنْ مع مراعاة خصوصية كلّ ساحة. ففي كلا البلدَين، تعمل الولايات المتحدة على خلط أوراق التهديد الأمني والانهيار الاقتصادي والانقسام السياسي، وذلك لخلق بيئة من الضغط المتعدّد المستويات، تدفع الجهات المستهدفة - سواء «حزب الله» في لبنان، أو الفصائل في العراق - إلى التنازل تحت وطأة «الكارثة المقبلة».
الخيار العسكري المباشر في العراق، رغم حضوره، يظلّ محفوفاً بالمخاطر الإستراتيجية
ولا يقتصر التهويل الأميركي على التصريحات السياسية أو العقوبات المالية، بل يتعدّاه إلى التهويل بالهجمات الأمنية والعسكرية، والتلويح بسيناريوات انهيار الدولة، أو عزل القيادات، أو تجميد الأصول، أو حتى التهديد المباشر بضربات عسكرية إسرائيلية و/ أو أميركية، إن لم يتمّ «ضبط» السلاح وتسليمه. وهذا الأسلوب، وإنْ بدا مُربكاً للفصائل في البداية، إلّا أنه لم يثمر النتائج المرجوّة منه، لا في لبنان، ولا حتى الآن في العراق؛ ففي لبنان، تحوّل «حزب الله» من موقع الدفاع إلى موقع إدارة الأزمة، بل وفرَض في بعض الأحيان شروطه.
أمّا في العراق، فتسير الفصائل على الخطى نفسها: فهي لا تكتفي بالانكفاء الدفاعي، بل تعمل على ترسيخ موقعها المؤسّسي، وتوسيع قاعدة الدعم الشعبي لها، وتقديم نفسها كضامن للأمن الداخلي، رغم محاولة واشنطن تصويرها على أنها عبء وليست ذخراً، وأنها مسبّب للحروب والخسائر، وليست كيانات تدافع عن مصالح العراقيين.
ولعلّ السؤال الأهم الذي يُطرح في دوائر صنع القرار الإسرائيلي اليوم: إلى متى يمكن الانتظار؟ فإذا كان الرهان على المقاربة الأميركية و«الضغط غير العسكري» يتراجع يوماً بعد يوم - في ظلّ ما تُظهره المؤشرات العراقية من صمود سياسي، ورفض نيابي وشعبي لقرارات نزع السلاح، وتوجّه إلى تعزيز التشريعات التي تمنح «الحشد الشعبي» شرعية قانونية إضافية -، فإن إسرائيل قد تبدأ في إعادة النظر في خياراتها.
والواقع أنه في الغرف المغلقة، ثمّة نقاش حول الخيارات المثلى الواجب اتّباعها، ومن بينها ذلك العسكري المباشر، الذي تسود تقديرات بأنه لن يكون مجرّد عملية جراحية، بل ستفوق تبعاته فوائده، وقد يدفع الفصائل إلى الردّ، ليس على إسرائيل فقط، بل على المصالح الأميركية في العراق وفي المنطقة أيضاً؛ والأهمّ أنه سيمنحها غطاءً داخلياً غير مسبوق؛ حيث ستتعزّز صورتها ككيانات مقاومة ضدّ العدوان الخارجي على البلاد، وتحديداً الإسرائيلي، بما قد يُغلق الباب أمام أيّ مطالب داخلية بتفكيكها أو نزع سلاحها.
وهكذا، فإن الخيار العسكري المباشر، رغم حضوره، يظلّ محفوفاً بالمخاطر الإستراتيجية؛ وإنْ كانت إسرائيل تتعامل معه بدافعية وحافزية أكثر ممّا كانت عليه في الماضي، فإن تبعاته المحتملة تجعلها تتردّد فيه، وتُعيد حساباتها في خصوصه، وتُرجئ تنفيذه. لكن التردّد لا يعني التخلّي؛ إذ إن تل أبيب تعمل في الخفاء على خيارات بديلة: استخبارية، سيبرانية، اقتصادية، وسياسية، وهي تراهن على أن التآكل الداخلي للدولة العراقية، أو الانقسامات بين الفصائل نفسها، أو التغيرات الإقليمية - كتراجع النفوذ الإيراني، أو تغيّر أولويات واشنطن - قد يخلق فرصة أفضل للتدخّل، بكلفة أقلّ، في ساحة تبقى واحدة من أكثر الساحات تعقيداً في حسابات الأمن القومي الإسرائيلي.
