
يكاد ما يحدث في مدينة غزة، يخالف أيّ نموذج عسكري أو سياسي تقليدي في تاريخ الحروب والمواجهات. فهو ليس احتلالاً بالمعنى القانوني، ولا حرب استنزاف بالمعنى العسكري، ولا حتى تطهيراً عرقياً عابراً؛ بقدر ما هو عملية محوٍ ممنهج، يراد من ورائها إلغاء القدرة على إعادة إنتاج أيّ شكل من أشكال الحياة السياسية أو الاجتماعية في المدينة، ولاحقاً في القطاع كلّه.
والفرق كبير بين الحالتَين: ففي الأولى، أي الاحتلال، كما حدث في غزة عام 1967 أو في العراق عام 2003، تكون النتيجة المحافظة على/ أو إيجاد أو ترميم هياكل حكم تُستخدم للسيطرة والحوكمة، من مثل إدارة مدنية وخدمات أساسية وترتيبات أمنية، إضافة إلى فتح مسار سياسي يفضي إلى ترتيبٍ ما، يتوافق مع مصالح المحتلّ. أما ما يحدث في غزة، فهو تدمير ممنهج للبنية التحتية، وتهجير قسري مُستمرّ بلا توقّف، تُستخدم فيه كل الوسائل الممكنة؛ وذلك بهدف تفريغ الأرض من سكانها، ثم تجريفها بما ومَن يتبقّى فيها، حتى تضحي أرضاً خالية من البشر والحجر، توزَّع ملكيتها والاستثمارات فيها لاحقاً.
والواقع أن أصحاب القرار في إسرائيل، لم يعودوا يتلطّون خلف أسباب «الأمن» أو «مكافحة الإرهاب» لتبرير العمليات القتالية، بل يجاهرون بنية الضمّ والتملك وجني الأرباح. وفي هذا الجانب تحديداً، كانت لوزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، كلمة خلال مؤتمر عقاري في تل أبيب، أول من أمس، أعلن فيها أن هناك «خطة موضوعة على طاولة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يتحدّد فيها كيف يصبح قطاع غزة بونانزا عقارية». ووفقاً لما قاله، فقد بدأت مفاوضات مع الجانب الأميركي في شأن الخطّة الاستثمارية، مضيفاً: «دفعنا مبالغ هائلة في هذه الحرب، ولهذا يجب أن نقرّر كيف نقسّم الأرباح الناتجة في غزة. لقد أتممنا مرحلة التدمير، والآن حان وقت البناء والاستفادة».
سموتريتش: «لقد أتممنا مرحلة التدمير، والآن حان وقت البناء والاستفادة»
وينبئ تصريح سموتريتش، بوضوح، بوجود إستراتيجية مبنيّة على ثلاثة أسس:
1- هناك كلفة دفعتها إسرائيل لتدمير المدينة، ثم القطاع بطبيعة الحال، ليس وفقاً لاعتبارات عسكرية لهزم الآخر ودفعه إلى الاستسلام، بل انطلاقاً من كون الكلفة استثماراً اقتصادياً.
2- هناك شريك لإسرائيل في هذا الاستثمار، هو الجانب الأميركي؛ ومن هنا، ثمة خطة موضوعة حالياً على طاولة ترامب، ليجري الانتفاع منها بشكل مشترك.
3- الأساس الثالث، أو الهدف الحقيقي، هو الوصول إلى «البونانزا العقارية»، التي تعني - وفق المفهوم الأميركي - «ثروة غير متوقعة وسريعة». وفي هذه الحالة، تنشأ الثروة من تحويل أرض أُخليت قسراً من سكانها، إلى سوق استثمارية مربحة، مثلها مثل «اكتشافات الذهب في كاليفورنيا أو النفط في تكساس»، وهو ما يدغدغ أذن ترامب، ولا يزعجها بالمطلق.
وهكذا، لا يشبه النموذج المتقدّم أيّ نموذج استعماري أو عسكري معروف، إذ هو يجد في الحرب وسيلة لإعادة تخصيص الملكية وتوزيعها. ومن أجل ذلك، يصبح قتل المدنيين وتهجيرهم، هدفاً في ذاته، لا مجرّد أضرار جانبية للحرب نفسها؛ ويتحوّل الدمار الكامل والتجريف ومحو المعالم والبنية التحتية، من نتيجة إلى شرط، وهذا ما يحصل بالضبط في مدينة غزة.

