مشروع «حماية المستثمر السعودي»: نواب يعتبرونه استعماراً
الجدل النيابي يحتدم حول قانون حماية المستثمر السعودي، بين من يراه تهديداً للسيادة العراقية ومن يصفه بمدخل لانفتاح اقتصادي إقليمي.


بغداد | تشهد قبة البرلمان العراقي، منذ أسابيع، سجالات حادّة حول مشروع قانون تصديق اتفاقية التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمار بين العراق والسعودية، والذي وُضع على جدول الأعمال أكثر من مرة، قبل أن تُرجأ جلسات التصويت أو تُرفع بسبب اعتراضات نيابية وغياب التوافق السياسي.
المشروع الذي تقدّمت به الحكومة، يهدف إلى منح المستثمرين السعوديين حماية قانونية وضمانات لزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، والذي تجاوز في الوقت الحالي مليار دولار سنوياً، بمعدّل نمو يُقدَّر بـ 10% وفق بيانات اقتصادية رسمية. كما يُفترض أن يشكّل الإطار التشريعي لتعزيز الشراكة الاقتصادية، خصوصاً بعد مشاريع كبرى كاتفاق تطوير الطاقة الشمسية بقيمة 27 مليار دولار بمشاركة «توتال إنرجيز» و»أكوا باور» السعودية.
لكنّ الانقسام داخل البرلمان، بدا جلياً. فقاطع نواب وكتل الجلسات التي أُدرج المشروع على جدول أعمالها، ما أدّى إلى فقدان النصاب القانوني. ووفق مصادر برلمانية، فإن رئاسة المجلس رضخت لضغط النواب الرافضين، وأعلنت تأجيل النقاش من جلسة الخامس من آب الماضي.
النائب سعود الساعدي، أحد أبرز المعترضين، وصف المشروع بأنه «قانون استعمار لا استثمار»، مضيفاً أنه «يحمل التزامات مرهقة للعراق، ويتعارض مع التشريعات المحلية. بل يمنح ملايين الدونمات للجانب السعودي ويسمح بتحويلات مالية بلا قيود، ما يشكّل تهديداً مباشراً للسيادة الوطنية». وكشف عن جمع أكثر من 50 توقيعاً نيابياً لرفض إدراج المشروع على جدول الأعمال، محذّراً من شبهات «غسيل أموال وتحكّم بالأصول العراقية».
موقف أكثر حدّة عبّر عنه النائب عامر عبد الجبار، الذي اعتبر أن المشروع ليس سوى «تسليم العراق بالكامل للسعودية»، وهاجم بشدّة منح «دولة مارست القتل والتدمير في اليمن» امتيازات استثمارية على الأراضي العراقية، واصفاً الأمر بأنه «استعمار بثوب اقتصادي جديد».
في المقابل، يرفض نواب آخرون هذا الطرح. فعضو المجلس، جواد اليساري، رأى أن العراق يمتلك بالفعل قوانين استثمارية جيدة، لكنه لم يستبعد إمكانية إقرار اتفاقيات خاصة بحماية أموال المستثمرين. وقال إن «من المبكّر الحكم على المشروع قبل الاطّلاع على مسوّدته النهائية. وقد تكون هناك حاجة إلى تفاصيل دقيقة تضمن مصالح العراق والمستثمر في آن واحد».
الانقسام لم يقتصر على البرلمان، بل امتدّ إلى الوسط الاقتصادي. وأكّد الخبير الاقتصادي، أحمد الأفندي، لـ»الأخبار» أن رفض القانون «ذو طابع سياسي أكثر ممّا هو اقتصادي»، مشيراً إلى أن هناك «دولاً إقليمية تقف وراء محاولة عرقلة الاستثمارات السعودية في العراق»، مضيفاً أن «الاتفاقيات بين دولتين جارتين ليست عبثية، بل ضرورة لفتح السوق العراقية أمام رؤوس الأموال. ومن الخطأ أن نغلق الأبواب فيما نحن بأمسّ الحاجة إلى الانفتاح الاقتصادي».
التجاذب السياسي حول المشروع يعكس أزمة أعمق في البرلمان العراقي، حيث باتت المقاطعة ورفض التصويت أداة بيد الكتل لتعطيل مسارات تشريعية مثيرة للجدل. ومع غياب التوافق، تبقى مشاريع القوانين الاستراتيجية رهينة التجاذبات، ما يهدّد بانسداد جديد في المؤسسة التشريعية.
وفي المحصّلة، فإن مشروع «حماية المستثمر السعودي» يتجاوز كونه اتفاقية اقتصادية إلى ملف سيادي بامتياز، يختبر قدرة العراق على موازنة علاقاته الإقليمية، بين من يرى في السعودية شريكاً استراتيجياً، ومن يصفها بـ»مستعمر جديد». وإلى أن يُحسم الجدل، يبقى مصير القانون معلّقاً بين قاعة البرلمان ومواقف الكتل، فيما ينتظر الشارع العراقي نتائج هذه المواجهة التي تُنذر بمزيد من الانقسام.
