مخيّمات بلا هوية: أميركا وإسرائيل للفلسطينيين: هذه شروط العودة
تفرض أميركا وإسرائيل شروطاً تعجيزية لعودة اللاجئين إلى المخيمات، في مسعى لنزع هوية الأخيرة وتصفية حق العودة التاريخي.


رام الله | في تموز الماضي، زار المنسق الأميركي للشؤون الأمنية في الضفة الغربية، مايكل آر. فينزل، مخيم نور شمس في محافظة طولكرم، برفقة وفد فلسطيني رسمي ضمّ وزير الداخلية زياد هبّ الريح، ومحافظ طولكرم عبد الله كميل. وقوبلت تلك الزيارة، التي جاءت بعد عدوان إسرائيلي أسفر عن تدمير المخيم، برفض شعبي واسع داخل «نور شمس» والمناطق المحيطة به؛ إذ عدّها الأهالي بمثابة محاولة خبيثة لفرض الإملاءات الإسرائيلية، ومن خلفها الأميركية، ربطاً بالنموذج الذي يراد تكريسه لشكل المخيم وهويته ومساره الوطني والسياسي، من دون حتى اكتراث، ولو ظاهري، بأوضاع النازحين الذين دُمِّرت منازلهم ومصالحهم التجارية وممتلكاتهم.
وهكذا، بدت الرسالة من وراء زيارة المخيم المدمّر والخالي كلياً من سكانه واضحة: لا عودة إلى «نور شمس» وغيره من المخيمات إلّا بعد الرضوخ للرؤية الإسرائيلية، والتي تضمنتها ورقة قدّمها الجانب الأميركي خلال الأشهر الماضية في مباحثاته مع السلطة الفلسطينية.
ومع مرور أكثر من شهرين على الزيارة، وأكثر من تسعة أشهر على العدوان، لا تزال أوضاع «نور شمس» على حالها - شأنه شأن مخيمَي طولكرم وجنين -؛ إذ يخضع لاحتلال عسكري مباشر ودائم، وسط استمرار عمليات التفجير والتدمير والتجريف داخله. وبالتوازي مع ذلك، نقل الجانب الأميركي، بحسب معلومات حصلت عليها «الأخبار»، شروطاً إسرائيلية بشأن مستقبل المخيمات وإمكانية إعادة إعمارها، تهدف إلى إحداث تغيير شامل في هويتها.
ومن بين تلك الشروط، طرد «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين» (الأونروا) من المخيمات، بما يلغي وجود الأخيرة كمحطّات انتظار للاجئين تقع مسؤوليتها على عاتق الوكالة، وتغيير أسمائها وتحويلها إلى أحياء داخل المدن، الأمر الذي يعني نقل إدارتها وخدماتها إلى البلدية. كذلك، تتضمّن الشروط الإسرائيلية ربط عودة النازحين بالتنسيق الأمني مع إسرائيل، التي ستكون صاحبة القرار في تحديد من يُسمح له بالعودة أو يُرفض طلبه، بناءً على ما يسمّى «الفحص الأمني».
نقل الجانب الأميركي إلى الفلسطينيين شروطاً إسرائيلية بشأن مستقبل المخيمات وإمكانية إعادة إعمارها
وتندرج تلك الشروط التي طُرِحت على مسؤولين فلسطينيين منذ بداية العام الجاري، بشكل منفصل وعلى مراحل، في إطار خريطة طريق باتت تُعرف بـ«النقاط الست»، هندسَتْها إسرائيل وأميركا كمسار لانسحاب الأولى من المخيمات، تشمل ما يلي:
أولاً: بناء الثقة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.
ثانياً: بدء السلطة ترميم البنية التحتية في المخيمات، بما يشمل إصلاح شبكات الصرف الصحي وتعبيد الشوارع، وذلك بوجود عناصر أمن مسلّحة من السلطة وتحت سيطرة كاملة من جيش الاحتلال.
ثالثاً: التزام السلطة بالهيكلية الجديدة التي فرضها الاحتلال في المخيمات، التي دمّر أحياء كاملة فيها وحوّلها إلى شوارع واسعة، مع منع إعادة بناء المنازل المدمّرة.
رابعاً: إقصاء وكالة «الأونروا» بشكل كامل، إذ لا يكون لها أي دور خلال عملية الإعمار أو بعدها.
خامساً: إنشاء مركز أمني شامل بدلاً من مركز شرطة، إذ يضمّ كل الأجهزة الأمنية المكلّفة بملاحقة المقاومين والنشطاء السياسيين، وليس جهاز الشرطة وحده المسؤول عن المخالفات القانونية من جنح وجنايات.
سادساً: التزام السلطة بإعادة بناء منازل أو إيجاد مساكن بديلة لـ50% من أهالي المخيم خارج نطاقه، على أن لا تكون هذه المساكن متقاربة أو مجتمعة في مكان واحد، بما يمنع تشكيل كتلة سكانية واحدة في المخيّم، علماً أنه رُصِد لهذه الخطة تمويل من الاتحاد الأوروبي تراوح قيمته بين 20 و30 مليون يورو لتغطية البنية التحتية والإسكان.
«الأسوار الحديدية»
في 21 كانون الثاني الماضي، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن عملية عسكرية في مخيم جنين أطلق عليها اسم «الأسوار الحديدية»، ثمّ توسّع فيها بعد أيام لتشمل مخيمَي طولكرم ونور شمس بشكل أساسي، وتطال أيضاً مناطق في محافظة طوباس، من مثل بلدة طمون ومخيم الفارعة. وخلال تلك العملية، دفع العدو بعشرات الآليات العسكرية المجهّزة تقنياً بأحدث الأسلحة وأدوات المراقبة، وناقلات جند مختلفة الأنواع والأحجام، فضلاً عن الجرافات العسكرية «دي 9» و«دي 10» المجنزرة ذات العجلات، إلى جانب غطاء جوي من الطيران الحربي وطائرات الدرون المسيّرة، ومشاركة آلاف الجنود على الأرض.
وبواسطة كلّ تلك الأسلحة، أطبق جيش الاحتلال حصاراً خانقاً على المخيمات، ونشر مئات الجنود في مختلف مناطقها، حيث فرضوا حظر تجوال وشنّوا حملات اقتحام واسعة طالت جميع المنازل. كما اتّبع سياسة التنكيل العنيف والواسع بحقّ الأهالي عبر التحقيقات الميدانية واستخدام المدنيين كدروع بشرية، تمهيداً للخطوة اللاحقة التي لم تتأخر، وهي البدء بإخلاء السكان وطردهم خارج مناطقهم، ثم تحويل بيوتهم إلى ثكنات عسكرية للجنود. كذلك، نفّذت قوات العدو عمليات تدمير مهولة في المخيمات، شملت كلّ الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء واتصالات، في حين جرى تجريف الشوارع بالكامل، وتفجير المباني والمنازل وتدميرها بغية توسيع الطرقات وتأمين مرور سهل للآليات العسكرية.
وهكذا، بدا واضحاً أن عملية «السور الحديدي» تهدف إلى تدمير المخيم بوصفه رمزاً وهوية نضالية وذا خصوصية جغرافية، وتحويله إلى شيء شبيه بأحياء المدن والبلدات الفلسطينية التي يسهل اقتحامها، وتستحيل فيها إمكانية تشكيل نواة مقاومة. والواقع أن هذا الهدف جرى التعبير عنه بوضوح في وسائل الإعلام العبرية، حيث كشف مسؤولون في جيش الاحتلال أن خطة الأخير في شمال الضفة تهدف إلى تحويل مخيمات اللاجئين إلى أحياء سكنية صغيرة، عادّين التغيير الحاصل بين صيف 2022 وصيف 2025 في الضفة «الأبرز منذ عام 1967».
وأقرّ أحد الضباط، في حديث إلى صحيفة «يديعوت أحرونوت»، بأنه تمّ في جنين وطولكرم ونور شمس «تدمير 260 مبنى وشقّ 11 كيلومتراً من الطرق»، مضيفاً أن «المخيمات كانت محصّنة لمنع مرور المركبات، وإنّه وفق أمر عسكري ستبقى المنطقة على هذا النحو من دون إعادة بناء». وبحسب الصحيفة نفسها، فإنه وفقاً لقرار القيادة السياسية في إسرائيل، من المتوقع أن يبقى جيش الاحتلال في مخيمات شمال الضفة «حتى نهاية العام على الأقل»، وإنه تمّ وضع خطط لجميع المخيمات، «يمكن تفعيلها» وفق التطورات. وأكد الضابط وجود حوار مع السلطة الفلسطينية في هذا الشأن، مع «بقاء قرار إعادة السكان بيد المستوى السياسي في إسرائيل».
