شكوك في إعلان «التقليص» الأميركي: بغداد تنتظر انسحاباً منظّماً
يكشف تقليص القوات الأميركية في العراق عن صراع داخلي بين مطالب السيادة الكاملة وضغوط الإبقاء على شراكة أمنية مع واشنطن.


بغداد | في وقت يجدّد فيه البنتاغون تأكيد التزامه بخطة تقليص المهمة العسكرية الأميركية في العراق، تبرز على الساحة العراقية مواقف متباينة تعكس الصراع السياسي الداخلي على مفهوم السيادة والعلاقة مع واشنطن. ويضع هذا التباين في التصريحات والمواقف البرلمانية، المواطنين أمام واقع غامض حول ما إذا كان العراق يتجه نحو الانسحاب الكامل أو نحو علاقة أمنية جديدة.
ويشير مصدر حكومي مسؤول، في تصريحات إلى «الأخبار»، إلى أن «القوات الأميركية ستعيد تموضعها داخل قواعدها العسكرية خلال هذا الأسبوع، تحت ضوابط تنسيق مع وزارة الدفاع العراقية، على أن يكون هذا التمركز داخل المنشآت المُتفق عليها مسبقاً». ويضيف أن «الحكومة تنظر إلى هذه الخطوة كجزء من انتقال يُدار وليس انسحاباً فوضوياً، شريطة الالتزام الكامل بالاتفاقات الموقّعة». لكن ثمة من يعتقد أنه إذا لم تتم عملية الانتقال بدقّة، فقد تُتاح الفرصة لعناصر «داعش» لاستغلال الخواصر الضعيفة، خصوصاً مع احتمال تأخّر بسط القوات العراقية سيطرتها على بعض المناطق الحدودية.
وكان الاتفاق الموقّع بين بغداد وواشنطن نصّ على أن تنتهي مهمة التحالف العسكري بقيادة الولايات المتحدة بحلول أيلول 2025، مع انتقال مهام العمليات إلى الجانب العراقي، وبقاء بعض القوات في مهام استشارية ودعم للتعاون الثنائي حتى عام 2026. ويُقدَّر عدد الجنود الأميركيين في العراق حالياً، وفق بيانات مُذاعة للبنتاغون، بنحو 2500 جندي، مع بعض العناصر الإضافيين على شكل قوات دورية داعمة أو «تمكينية».
وإذ تشير بعض التقارير الإعلامية الأميركية إلى أن إعادة التموضع قد تشمل تركيز القوات المتبقية في إقليم كردستان، وتخفيف الوجود في بغداد ومناطق غرب البلاد، فإن هذه الخطوات لا تخلو من الغموض، الذي يدفع بعض المراقبين إلى التشكيك في ما إذا كان هذا التخفيض يشكّل انسحاباً حقيقياً أو مجرد «إعادة تموضع تكتيكية» مع بقاء تأثير عسكري في المناطق الحساسة. وعلى أي حال، فإن الإعلان الأميركي أعاد إحياء المواقف المطالبة بتثبيت مبدأ إخراج القوات الأجنبية، باعتباره مطلباً سيادياً شعبياً وسياسياً.
ثمة من يعتقد أنه إذا لم تتم عملية الانتقال بدقّة، فقد تُتاح الفرصة لـ«داعش» لتعبئة المناطق الضعيفة
ويؤكد رئيس كتلة «منتصرون» المنضوية في «الإطار التنسيقي»، النائب فالح الخزعلي، أن «العراق لم يعد في حاجة إلى القوات الأميركية وقوات التحالف، ولا سيما بعدما نجحت القوات الأمنية العراقية في السيطرة وتلقّي التدريب المكثّف، خصوصاً بعد الانتصارات على تنظيم داعش». ويقول، لـ»الأخبار»، إن انسحاب هذه القوات هو «الخيار الأسلم» للعراق، وإن أي إعادة تموضع من دون علم الحكومة ستكون بمثابة «احتلال وتدخّل». ويضيف أن بغداد تُجري اتفاقات تفاوضية لإنهاء وجود التحالف بما يخدم مصلحة البلاد، ويراعي السيادة الوطنية.
في المقابل، يرى النائب الكردي، محما خليل، وهو صوت يشاطره كثير من النواب السنّة داخل البرلمان، أن «بقاء القوات الأميركية والتحالف ضروري في السياق الإقليمي الراهن، خصوصاً أن المؤسسة الأمنية العراقية لا تزال بحاجة إلى تطوير تسليحي وتدريبي عميق، ولا تمتلك منظومة دفاع جوي متطورة كافية». ويضيف، في حديث إلى «الأخبار»، أن «التحالف الدولي يساعد في تأمين الحدود العراقية والدور الجوي الذي يصعب على العراق تحمّله منفرداً في هذه المرحلة».
أما الناطق باسم «ائتلاف النصر»، الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، سلام الزبيدي، فيعتقد أن «قرار البنتاغون بتقليص القوات يحمل دلالتين أساسيتين: الأولى هي الالتزام باتفاق مع بغداد، والثانية هي التحسّب لتطورات إقليمية قد تفرض استدامة وجود عسكري في العراق». ويدعو الحكومة إلى التعامل مع الملف بحساسية تفاوضية تضمن الحفاظ على سيادة العراق، مع مواصلة تأمين قدرات التسليح والتطوير للقوات الأمنية والتعامل مع خلايا «داعش» بدقّة عالية.
من جهته، يشير الخبير الأمني، قاسم العبودي، إلى أن «قواتنا الأمنية سجّلت إنجازات كبيرة، وأن الجيش والحشد الشعبي قادران على تأمين الحدود والسيطرة على الداخل بفعالية». لكنّ العبودي لا يستبعد الرأي القائل إن «الولايات المتحدة لن تترك العراق فارغاً أمام النفوذ الإيراني»، ويرى أن «التقليص قد يكون لأسباب استراتيجية متعددة، وأن الإدارة الأميركية تعيد ترتيب أوراقها في الشرق الأوسط تحت إدارة ترامب».
