500 دولار للبطاقة عجلة شراء الأصوات تدور
تتفاقم ظاهرة شراء بطاقات الناخبين في العراق قبيل الانتخابات، بما يكشف هشاشة النظام الانتخابي وهيمنة المال السياسي وغياب التنافس العادل بين المرشحين.


بغداد | في الوقت الذي تستعدّ فيه الأحزاب العراقية لخوض غمار الانتخابات البرلمانية في 11 تشرين الثاني المقبل، تتصاعد مجدّداً ظاهرة شراء وبيع بطاقات الناخبين، في مشهد يعكس هشاشة المنظومة الانتخابية، ويهدّد مبدأ التنافس العادل بين المرشحين. وتفيد مصادر «الأخبار» بأن أسعار البطاقات تجاوزت في بعض المناطق 500 دولار للبطاقة الواحدة، وهو ما أثار جدلاً وغضباً شعبياً، تجلّى خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تسرّبت عبر مجموعات في تطبيق «واتساب» ومواقع التواصل تسجيلات صوتية يُسمع فيها مرشحون، وهم يعرضون مبالغ مالية وهبات ووظائف مقابل ضمان أصوات الناخبين. وتُظهر هذه المقاطع، بحسب ناشطين، أن بعض الأحزاب تلجأ إلى شبكات منظّمة لتوزيع الأموال في القرى والأحياء الشعبية، فيما تُمنح البطاقات الانتخابية لوسطاء مقابل عمولات محدّدة.
ويكشف مصدرٌ مقرّب من أحد الأحزاب البارزة، لـ»الأخبار»، أن «قيادات حزبية وجّهت إدارات تابعة لها في شركات أهلية وجامعات خاصة بجمع بطاقات الناخبين من الموظّفين تحت ضغط التهديد بوقف الرواتب أو الفصل»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تتم بغطاء إداري من مسؤولين مرتبطين بالحزب». ولا تقتصر الضغوط على القطاع الخاص؛ إذ تحدّث موظفون وأساتذة جامعيون في دوائر حكومية عن ضغوط تُمارس عليهم من قبل مدراء عامين ينتمون إلى أحزاب سياسية، لإجبارهم على انتخاب شخصيات محدّدة «تمّت تزكيتها مُسبقاً».
ويقدّم بعض المرشحين وعوداً بوظائف وتعيينات وقروض من مصارف حكومية، إضافة إلى بطاقات «ماستر كارد» للعاطلين عن العمل، ووعود بتحسين رواتب المتقاعدين أو تعديل سلّم الرواتب. وفي محافظة واسط، التي تشهد منافسة انتخابية محتدمة، تتّسع ظاهرة شراء الأصوات بوتيرة مثيرة للقلق.
ويقول أحد المواطنين الذي رفض ذكر اسمه لدواعٍ أمنية لـ»الأخبار»: «جاء إلينا أشخاص معروفون بانتمائهم إلى أحد الأحزاب، وعرضوا علينا مبالغ تصل إلى مئة دولار مقابل تسليم بطاقة الناخب. الدفعة الأولى تُدفع عند تسليم البطاقة، والثانية يوم الاقتراع بعد التأكّد من التصويت». ويؤكد مواطن آخر هذه الرواية، قائلاً إن «بعض الوسطاء يطلبون البطاقات قبل يومين من الانتخابات، مقابل وعود بتوفير فرص عمل لاحقاً».
الشارع يشكّك في قدرة الجهات الرسمية على ردع المتورّطين
ويرى مراقبون أن تفشّي هذه الظاهرة يعود إلى ضعف الوعي الانتخابي لدى المواطنين وغياب حملات التثقيف الفاعلة. ويقول الخبير الانتخابي، صباح تبينه، لـ»الأخبار»: «لا توجد برامج جدّية للتوعية بخطورة بيع الأصوات، كما أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة تدفع بعض العائلات إلى التعامل مع الصوت كوسيلة رزق».
ويعتقد عضو مركز «قراءات للدراسات»، كريم التميمي، بدوره، أن «المال السياسي بات اللاعب الأخطر في المشهد الانتخابي العراقي»، لافتاً إلى أن «سعر البطاقة الانتخابية يُراوِح اليوم بين 100 ألف و400 ألف دينار عراقي بحسب المنطقة والمرشّح». ويضيف أن «ظاهرة شراء الأصوات لم تعد محصورة في المناطق الفقيرة، بل امتدّت إلى شرائح أخرى نتيجة غياب المحاسبة وضعف ثقة المواطن بالعملية الانتخابية».
مع ذلك، تؤكد الناطقة باسم مفوّضية الانتخابات، جمانة الغلاي، في حديث إلى «الأخبار»، أن المفوّضية «لن تتهاون مع أي مرشّح يثبت تورّطه في شراء بطاقات الناخبين أو التأثير على إرادتهم»، موضحة أن «العقوبات قد تصل إلى استبعاد المرشح من السباق الانتخابي، فضلاً عن إحالة المخالفين إلى القضاء». وتشير إلى أن «المفوّضية تلقّت بالفعل شكاوى ميدانية يتم التحقّق منها، وتمّ توجيه الفرق الرقابية لاتخاذ إجراءات فورية بحق أي جهة يثبت تورّطها».
وعلى الرغم من إعلان مفوّضية الانتخابات عن إجراءاتها الرقابية، إلا أن الشارع العراقي يشكّك في قدرة الجهات الرسمية على ردع المتورّطين، خصوصاً في ظل تشابك المصالح الحزبية والأمنية. ويقول أحد الناشطين في واسط إن «القانون موجود، لكنّ تطبيقه يتعثّر أمام نفوذ الأحزاب الكبيرة التي تملك المال والإعلام».
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الممارسات يهدّد جوهر العملية الديمقراطية في العراق، ويعزّز الشعور بانعدام العدالة بين المرشحين. ويقول قيادي في «التيار الوطني الشيعي» الذي يتزعمه مقتدى الصدر الذي أعلن مقاطعته للانتخابات: «كيف نثق بانتخابات تُشترى فيها الأصوات بالمال؟»، منبّهاً إلى أنه «ما لم يُفعّل القانون بصرامة، ستتحوّل الانتخابات إلى مزاد علني، يُباع فيه صوت المواطن بأبخس الأثمان، وهذا ما أكّد عليه الصدر في أكثر من مرة».
