عقوبات ضدّ شركات ومصرفيّين: واشنطن ترفع سقف المواجهة
واشنطن تصعّد ضغوطها على بغداد بعقوبات تستهدف شخصيات وشركات مرتبطة بـ«الحشد الشعبي»، في محاولة لتقييد النفوذ الإيراني والتحكّم بالاقتصاد العراقي.


بغداد | فرضت واشنطن، عقوبات جديدة ضدّ شخصيات مصرفية وشركات عراقية، أبرزها شركة «المهندس العامة» التي قالت إنها مرتبطة بـ«كتائب حزب الله»، إلى جانب عدد من رجال الأعمال والمديرين المصرفيّين. وعُدّ ذلك بمنزلة رسالة سياسية مزدوجة: إلى طهران، بأنّ واشنطن، لا تزال تملك أدوات الضغط في العراق، وإلى بغداد بأنّ هامشها في إدارة العلاقة مع الجانبين بدأ يضيق أكثر من أي وقت مضى.
واتّهمت وزارة الخزانة الأميركية شركة «المهندس»، بتمويل «أنشطة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وعمليات تهريب السلاح وغسيل الأموال». وقالت في بيان ، أول من أمس، إنّ «هذه الإجراءات تستهدف تفكيك شبكات الفساد وغسيل الأموال التي تمكّن الجماعات المسلحة من العمل داخل العراق وخارجه».
وأشار البيان الأميركي، إلى أنّ «كتائب حزب الله»، المنضوية ضمن «الحشد الشعبي»، «أنشأت شركة المهندس العامة للمقاولات والزراعة والصناعة لتكون غطاءً اقتصادياً لأنشطتها»، مضيفاً أنّ الشركة «استغلّت عقوداً حكومية لتحويل الأموال من مؤسسات الدولة إلى واجهات تجارية، بينها شركة بلدنا للاستثمارات الزراعية، بهدف تمويل أنشطة الفصائل المسلحة وعمليات تهريب السلاح بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني».
كما شملت العقوبات 3 مديرين تنفيذيّين في مصارف عراقية، اتُّهموا بـ«إساءة استخدام مواقعهم لصالح الحرس الثوري الإيراني وعصائب أهل الحق»، بحسب البيان، الذي ادّعى أنّ «هؤلاء المسؤولين استغلّوا النظام المالي العراقي لغسيل الأموال وتهريب العملة وتوليد الإيرادات لصالح جماعات إرهابية مدعومة من إيران».
وفي ردّ فعل أوّلي، قال قيادي في «الحشد الشعبي»، لـ«الأخبار»، إنّ «العقوبات الأميركية لن تؤثّر على شركة المهندس»، مؤكّداً أنّ الأخيرة «شركة عراقية وتعاملاتها فقط داخلية، وهي رسمية ومسجّلة لدى الدولة وبعلم الحكومة». وأضاف أنّ «هذه الخطوة هي محاولة للهيمنة على الاقتصاد العراقي ومحاربة كل مشروع عراقي أو جهة مستثمرة تعمل خارج سلطة» واشنطن.
ونفى القيادي أي ارتباط مباشر للشركة بإيران، مؤكّداً أنّ «أي تعامل يتمّ وفق الأصول». ومن جهتها، ردّت «اللجنة الأولمبية العراقية» على إدراج رئيسها، عقيل مفتن، ضمن لائحة العقوبات الأميركية، بالتأكيد، في بيان، أنّ «ما جرى تداوله من اتّهامات يفتقر إلى الأدلّة ويأتي في إطار محاولات لتشويه سمعة اللجنة وإرباك عملها المؤسّسي».
اتّهامات أميركية للجهات المستهدفة بالعمل لصالح «الحرس الثوري الإيراني»
ومنذ أشهر، تطالب واشنطن بـ«تفكيك الشبكات المالية» التي تموّل الجماعات المسلحة في العراق. غير أنّ البيان الأخير الصادر عن وزارة الخزانة بدا أكثر حِدّة، إذ اتّهم تلك الكيانات بـ«غسل الأموال وتحويل موارد الدولة لصالح فصائل مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وعلى رأسها كتائب حزب الله».
وتضع هذه الخطوة الأميركية، التي تجيء في توقيت حسّاس سياسياً (قبل شهر على الانتخابات البرلمانية العراقية)، لتضع حكومة بغداد أمام اختبار جديد؛ إذ إنّ الحكومة تسعى من جهة إلى طمأنة واشنطن، بأنّ «النظام المالي العراقي لا يُستغلّ لتمويل جماعات مدرجة على لوائح الإرهاب»، ومن جهة أخرى، تخشى أن يُفسَّر أي تجاوب مع الضغوط الأميركية، من جانب قوى سياسية نافذة تمثّل جزءاً من السلطة، على أنه رضوخ لواشنطن.
وعلى أي حال، ستكون للعقوبات تداعيات على بيئة المال والأعمال في العراق؛ إذ إنّ استهداف شركات تعمل في مجالات المقاولات والزراعة والمصارف، يعني عملياً تعطيل جزء من الدورة الاقتصادية، وربما تجميد أرصدة وتحويلات، وهو ما ينعكس اضطراباً في السوق وقلقاً لدى المستثمرين المحلّيين.
ويؤكّد خبراء اقتصاديون أنّ استمرار هذه السياسة سيعمّق هشاشة النظام المالي، خصوصاً في ظلّ القيود المفروضة أصلاً على حركة الدولار من الاحتياط الفيدرالي الأميركي، والتي كبحت قدرة المصارف العراقية على تمويل التجارة الخارجية. وفي هذا الإطار، ينبّه الخبير الاقتصادي، عبد الستار العيساوي، إلى أنّ «هذه العقوبات تزيد من الضغوط على النظام المالي العراقي وتدفع السوق نحو مزيد من التذبذب، خاصة في ظلّ التحدّيات التي يواجهها الاقتصاد».
كذلك، تبدو العقوبات الجديدة امتداداً لسياسة «الضغط غير المباشر» التي تعتمدها واشنطن على طهران، عبر الساحة العراقية. فهي لا تستهدف إيران بشكل مباشر، بل الشبكات التي تعتبرها الولايات المتحدة أدوات نفوذ للأولى في العراق. وبين الاتّهامات الأميركية والنفي العراقي، تبقى الحقيقة الأوضح أنّ الاقتصاد العراقي يتحوّل تدريجياً إلى ساحة مواجهة ناعمة بين واشنطن وطهران. فكلّما اقترب العراق، من محاولة ترميم علاقاته الاقتصادية مع محيطه، تظهر عقبة جديدة باسم العقوبات أو القيود المصرفية، لتذكّره بأنّ سيادته المالية لا تزال رهينة للولايات المتحدة.
وتمثّل العقوبات الأخيرة فصلاً جديداً في معركة السيطرة على «الاقتصاد الموازي» الذي نشأ في أثناء سنوات الحرب على «داعش»، وترسّخ لاحقاً عبر شبكات مالية وتجارية باتت تمتلك نفوذاً واسعاً داخل مؤسسات الدولة. وبهذا المعنى، فإنّ ما بدأ كإجراء أميركي «تقني»، سرعان ما اتّخذ بعداً استراتيجياً، يضع العراق أمام معادلة صعبة: إمّا تفكيك هذه الشبكات استجابة للمطالب الأميركية، أو الدخول في مواجهة اقتصادية تلامس استقرار نظامه المالي برمّته، وفقاً لمحلّلين.
وفي السياق، يرى الباحث في الشؤون السياسية، شاكر الساعدي، أنّ «واشنطن تسعى عبر هذه العقوبات إلى توسيع نطاق الضغط على القوى القريبة من طهران، وربط الاقتصاد العراقي بشبكة الرقابة المالية الأميركية». ويضيف، في حديث إلى «الأخبار»، أنّ «إدراج شخصيات من مؤسّسات رسمية، بينها اللجنة الأولمبية، يهدف إلى توجيه رسالة سياسية أكثر من كونه إجراء مالياً، مفادها أنّ الولايات المتحدة تملك أدواتها داخل الاقتصاد العراقي وستستخدمها لتقليص نفوذ الحشد الشعبي وحلفائه في مؤسسات الدولة».
