
«اصطياد مسيحيين في الكنيسة: إسرائيل تفقد المحافظين في أميركا، وتستثمر ملايين الدولارات في التأثير»؛ بهذه العبارة، عنونت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية تقديراً لافتاً لها نشرته أمس، لم يكتفِ برصد تقلُّب المزاج العام في الولايات المتحدة تجاه الكيان، بل تحدّث عن «زلزال صامت» تحت أقدام أكثر الحلفاء ولاءً له؛ إذ حتى أولئك الذين لطالما دافعوا عن إسرائيل، من منطلقات دينية أو أيديولوجية، باتوا يطرحون أسئلة صعبة في شأنها، ويعملون على إعادة تقييم ولائهم إليها. واللافت في التقرير أنه لا يستند إلى تكهّنات أو تحليلات وآراء سياسية، بل إلى وثائق رسمية قُدّمت إلى وزارة العدل الأميركية، تُظهر كيف أنّ تل أبيب، باتت تنفق ملايين الدولارات لترميم صورتها في بلد مثّل دائماً حصنها المنيع غير القابل للخرق.
بحسب استطلاعات «مركز بيو للدراسات» (Pew Research Center) المتخصّص في دراسة الاتجاهات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية في الولايات المتحدة والعالم، فإنه بين عامَي 2022 و2025، ارتفعت نسبة الأميركيين الذين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، من 42% إلى 53%. لكنّ أهمّ ما في تلك المعطيات، أنّ نصف الجمهوريين تحت سنّ الـ50 - أي مَن هم في قلب المعسكر الذي لطالما شكّل الدرع الواقي للدولة العبرية -، باتوا يحملون رأياً سلبياً عن الأخيرة. وحتى الإنجيليون المحافظون، الذين رأوا في إسرائيل «مشيئة إلهية»، لم يعودوا يردّدون الشعارات نفسها، خصوصاً بعدما أدّت مشاهد الإبادة في غزة دورها في قلب الموازين، حتى في الكنائس التي كانت تَرفع لافتات «نحبّ إسرائيل».
ولم يكن ردّ تل أبيب، على حال «التصدّع» تلك، سياسيّاً أو ديبلوماسيّاً فحسب، بل جاء تسويقيّاً رقميّاً أيضاً. ففي الأشهر الأخيرة، أبرمت الحكومة الإسرائيلية، عبر وزارتَي الخارجية والسياحة و«اللجنة الحكومية للدعاية»، سلسلة عقود عالية التكاليف مع شركات أميركية متخصّصة في التأثير على الرأي العام، جميعها مرّت عبر شركة إعلامية أجنبية (Havas Media الفرنسية)، لتفادي التسجيل المباشر كـ«عميل أجنبي»، وفقاً للقانون الأميركي. وحتى الآن، أنفقت إسرائيل أكثر من 100 مليون دولار على مساعيها الترويجية؛ إذ دفعت، في أثناء الأشهر الخمسة الأخيرة، أكثر من 45 مليون دولار على إعلانات رقمية في «غوغل» و«يوتيوب» و«تيك توك» و«إكس»، من أجل «إعادة تأهيل الرواية العبرية» في زمن لم تَعُد فيه الكلمة الإسرائيلية مسلّماً بها.
يرى رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في المؤثّرين الرقميين سفراءً جدداً
لكن أكثر ما يلفت في الحملة، أنّ من بين المستهدفين بها، الإنجيليين الأميركيين، الذين تعاقدت تل أبيب من أجل الوصول إليهم، مع شركة «Clock Tower X» برئاسة براد بارسكال، الذي قاد الحملات الدعائية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في الانتخابات الماضية. ودفعت إسرائيل لهذه الشركة 6 ملايين دولار لمدّة أربعة أشهر فقط، بهدف إنتاج محتوى رقمي جذّاب يستهدف خصوصاً الشباب، بما يشمل مقاطع مصوّرة قصيرة و«بودكاستات» وصوراً لنشرها عبر «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، وبثّها أيضاً عبر شبكة «Salem Media» الإذاعية المسيحية المحافظة، التي تمتلك أكثر من 200 منصّة إعلامية. أيضاً، أبرمت تل أبيب، صفقة أخرى مع شركة «Show Faith by Works»، التي يملكها ناشط جمهوري مرتبط باليمين الإنجيلي، بقيمة 3 ملايين دولار، لاستهداف الكنائس والكلّيات المسيحية.
وتشمل الخطّة كذلك ما يعرف بـ«Geo-fencing»، أي رسم حدود رقمية حول أماكن العبادة، لالتقاط هوّيات الحاضرين، ومن ثم استهدافهم لاحقاً بإعلانات مؤيّدة لإسرائيل على هواتفهم. ووصل الأمر بالحملة الإسرائيلية إلى حدّ إعداد «تجربة 7 أكتوبر» بتقنية الواقع الافتراضي (VR)، وعرض مشاهد منتقاة منها على جمهور الكنائس، في محاولة لـ«تذكيره» وتخييره بين مَن يقف مع «الحضارة» ومَن يقف مع «الوحشية».
على أنّ الأكثر إثارة - بل وربّما الأكثر خطورة - أنّ إسرائيل لم تَعُد تكتفي بالتأثير على البشر؛ فقد كشفت العقود عن محاولة للتأثير على أنظمة الذكاء الاصطناعي، من مثل «ChatGPT»، لضمان أن تَظهر إجاباتها عن قضايا من مثل غزة أو الاحتلال، «محايدة» أو مؤيّدة للرواية الإسرائيلية. وهذه هي المرّة الأولى التي تسجّل فيها دولة ما، محاولة من هذا النوع، ما يفتح باباً جديداً في حروب السردية والروايات. في الموازاة، عملت وزارة الشتات الإسرائيلية على إنشاء «غرفة حرب رقمية»، تحمل اسم «Project Max» - وذلك عبر الاستعانة بشركة «كولوت يسرائيل» - (الذراع الدعائية الرقمية الرسمية لإسرائيل)، إلا أنّ أحد «البوتات» التي صنتعها الشركة فشل فشلاً ذريعاً، وأنتج محتوى معادياً لإسرائيل، وهو ما قد يشير إلى هشاشة تلك الأدوات إلى الآن.
أيضاً، ورد أنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، يرى في المؤثّرين الرقميين سفراءً جدداً. ومن هنا تحديداً، جاء «مشروع أستير»، الذي يجنّد ناشطين من اليمين الأميركي لزيارة إسرائيل، والتقاط الصور في المستوطنات والجولان، ثم نشرُ محتوى مؤيّد عبر منصّاتهم. وفي أثناء لقاء جمعه إليهم في نيويورك، حثّ نتنياهو هؤلاء على استخدام «أهمّ سلاح اليوم: وسائل التواصل».
لكن، هل يعني هذا أنّ «الحصن المنيع» لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، ينهار؟ الإجابة ليست بسيطة؛ فالدعم الرسمي لتل أبيب، من البيت الأبيض إلى «البنتاغون» والكونغرس، لا يزال قويّاً. غير أنّ الأساس الذي بُني عليه هذا الدعم، بدأ يتصدّع، ليس لأنّ الأميركيين يكرهون إسرائيل، بل لأنهم باتوا يرون تناقضاً صارخاً بين القيم التي يدّعيها الكيان، والواقع الذي تنتجه سياساته. فالإنجيليون لم يعودوا يقبلون بسهولة روايات تبرّر قتل الأطفال باسم الأمن، والجمهوريون الشباب لا يقتنعون بفكرة أنّ «كل منتقد لإسرائيل معادٍ للسامية». حتى نظريات المؤامرة - مثل الادّعاء بأنّ إسرائيل اغتالت الناشط تشارلي كيرك، بسبب انتقاده لحرب غزة - تدلّ على مستوى غير مسبوق من فقدان الثقة بين الأميركيين الجمهوريين، خصوصاً بين المحسوبين على «تيار ماغا» الذين ردّدوا كثيراً مثل هذه الادّعاءات، وبين إسرائيل.
في الخلاصة، فإنّ الاستثمار الهائل في الدعاية ليس علامة قوّة، بل اعتراف بأنّ هناك انهياراً وشيكاً. على أنّ الحملات الرقمية، مهما كانت ذكية، لا تستطيع أن تخفي صور طفل فلسطيني، نصفه مغطّى بالتراب ونصفه الآخر بدمه. ورغم أنّ السياسة في واشنطن لن تتغيّر غداً، فإنه إذا استمرّ تآكل مكانة إسرائيل، بالنسبة إلى الرأي العام الأميركي، وتحديداً لدى الجيل الصاعد والشباب، فلن يعود مستحيلاً حدوث انقلاب في مقاربة المؤسسات للعلاقة مع الكيان.

