أنا بحر غزة...


أكتنز أسرارها منذ تفتّح حضارتها الأولى
هنا تعاهدت أنا وأبوابها الثمانية على حراستها
وسُمّي أحد أبوابها على اسمي
أنا حارسها الوفيّ من الغرب
وبوّابتها إلى الدنيا وبوّابة الدنيا إليها...
أنا شاهد على المركب الأول الذي أبحر من شاطئها...
وعلى المرفأ الأول الذي عبق بروائح البخور...
هنا استراحت الجِمال التي عبرت الصحراء وأخذت حمولتها مراكب غزّة إلى العالم...
هنا جلستُ أشاهد المدينة تكبر وتزدهر...
هنا سمعتُ صلواتها في معابد البعل... ثم صلاتها للمرّة الأولى في ديرها البحريّ وللمرّة الأولى في مسجدها العُمَريّ...
في روحها قوّة وشجاعة جعلت اسمها غزّة: «القوية » في لغة الكنعانيين...
ولها من اسمها نصيب، رافقها أكثر من أربعة آلاف عام وما بدّلت تبديلاً...
أنا بحر غزّة...
امتداد لبحر يافا وصور وصيدا وبيروت وجبيل وأوغاريت...
منها انطلق نتاج حضارة الهلال الخصيب باتجاه الغرب النائم فاستيقظ...
من هذه المراكب نزلت الشرارة الأولى لبداية حضارة على الشواطئ المقابلة وما بعدها.
أمّا أنا، فكلّ يوم أطلب من فلسطين المغفرة على غفلتي وسذاجتي حين حملتُ إليها مراكب عصاباتهم المجرمة
على أنهم مشرّدون مساكين!!!
«يا ابنة فلسطين...
أسمع صوتِك تناديني من باب البحر
وثوبك مدمّى تلتهمه النيران
تطلبين مني أن أكون شاهداً للتاريخ
أن أحفر ما يجري في ذاكرة الإنسانية
تطلبين مني أن أحتضن رفات أبنائك المبعثرة في هذا الرصيف البحري المقيت
عانقيني بقوة كي تذوب دمعتك في جسدي
عانقيني بقوّة كي أطفئ نار ثوبك
عانقيني بقوّة كي أبرّد حرقة قلبك».
ها هي تنظر عبر عينيّ إلى المدى
تُحمّل أمواجي رسالةً إلى بيروت
تأخذ نفساً عميقاً ثم تقف بهيّة
وتعود للقتال
أمّا أنا فأبتسم بيقين لنصرهما الآتي
