أوراق | قبورٌ محفورةٌ في الهواء

طيورٌ كثيرةٌ بين كَتِفَيَّ، قيودٌ كثيرةٌ بين قدميَّ
تستطيع، مع ذلك، أيُّها الوقت، أن تغسلَ وجهَك في مائيَ المُضطرِب، ولن أتردّدَ في نَبْشِ قلقي من مَجَرّاته، لكي أتَسَلَّحَ وأهجم.
لا أجوبةَ لديَّ، لكن، ما تلك الأضراسُ التي تطحنُ عظامَكَ، أيُّها الوقت؟
ما هذه الأقلامُ التي تتَّخِذُ من الجِلدِ الآدميِّ رُقَعاً تكتب عليها التّاريخ؟
لماذا لا أريد أن أتَّعِظَ حتى بأشلائي؟
ولماذا لا أجِدُ جواباً؟
في خطواتي بحارٌ، وليس لي أظافِر.
مع ذلك سأُغَمْغِم:
السّماء كلُّها جيوشٌ،
وليس في حقولها غيرُ الألغام.
يكادُ كلُّ شخصٍ أن يبدوَ كأنّه نَرْدٌ أحمر.
ولا يزالُ الأفقُ يلبس رداءَ الصّيف. وها هي أنحاؤه تحتضِنُ البشَر وتَذروهم في حركةٍ تقودُها المُصادَفَات.
مصادفاتٌ لا يخترقها حتى ضوءُ اليقين.
الهواءُ يمنَحُ شعرَه القصيرَ لمقَصّات الشّمس
الأرضُ، بين عينيَّ، غزالةٌ شاحبة
ما الذي يتدحرجُ ويرجعُ القَهْقَرى؟
لا الذُّروةُ ذُروةٌ. لا الهاويَةُ هاوية.
وأين أبحثُ عن عكاكيزَ تتَوَكَّأُ عليها أيّامي؟
كلاّ، ليس لدَيَّ وقتٌ أٌبًدِّدُهُ في الكلام على الغَيْب.
يكفي أن أنزلَ في النَّهار كأنّه سائلٌ، وكأنّني مادّةٌ صُلْبة.
هل عليَّ، إذاً، أن أعتقدَ كمثل غيري أنّ العروبةَ فرسٌ لها هيئةُ البُراق؟ أنّ البحرَ الأحمرَ عربةٌ يركبُها نبيٌّ قائدٌ، وتجرُّها يدُ الله؟
أنَّ الإنسانَ لا عملَ له إلاّ أن يقشرَ بصلَ السّماء؟
ماضِياً، كنتُ أقذفُ بوقتي في سلّةٍ تظلُّ فارغة.
حاضِراً، أرميه في سلّةٍ تظلُّ طافِحةً.
ولا شيءَ ممّا مضى يتآخى مع أشيائي.
وكنتُ قد حلمتُ، عبثاً، بفجرٍ يتّسِعُ حقّاً لشمسي.
لكن، لا تزالُ الدّقائقُ تلتفُّ على جسدي، باردةً،
كمثل عباءةٍ مليئةٍ بالثّقوب. وليس في سريري إلاّ لحافُ اللغة.
بيوتٌ أصغي إليها كأنّها تُغنّي. لكن، لا بشفاهها، ولا بأجنحتها.
تغنّي بأشلائها.
مرَّ رجلٌ ضائعٌ في الطّريق إلى بيتِهِ.
تذكّرتُ ضياعيَ الآخر،
كنتُ كمن يُسافِرُ في نهرٍ جوفيٍّ من الضّوء، وكانت الأشجارُ من كلّ نوعٍ تتأبَّط ذراعَيَّ. غير أنَّ جسدي كان في أَوْجِ المعنى.
أتذكَّرُ كيف يتحَوَّلُ الحجرُ إلى قلبٍ، والقلبُ إلى فضاء.
كلُّ شيءٍ يرقد في رماده، إلاّ الجَذرُ، وإلاّ جمالٌ لا يأنَفُ من أن يتدثَّرَ حتّى بالهباء.
وكلُّ شيءٍ يكادُ أن يغيبَ إلاّ الذّاكرة، تلك الشّمسُ الأخرى التي يدورُ حولَها فلَكُ التّاريخ.
كانت بيروت في ذلك اليوم، تضعُ رأسَها على خاصرةِ الشاطئ، وتمسحُ غبارَ قدَمَيها بأهداب البحر.
ولم أعرفْ إن كنتُ أسيرُ فيها أم أسيرُ في غابات لغتي،
وأكادُ أن أنفصلَ عن خطواتي.
كأنّني شُبهةٌ في عين الواقع.
الغبارُ كرسيٌّ، سريرٌ، كتاب.
الغبارُ مسحوقُ دبّاباتٍ، قنابلَ، صواريخ.
الغبارُ يضحك ويبكي بفمٍ واحدٍ في لحظةٍ واحدة.
الزّمَنُ غبارٌ سائحٌ، (هل القديمُ هو، وحده، الحديث؟) ولكلِّ صخرةٍ وجهُ إنسان.
سلاماً، يا روحَ المادّة.
يمكن الوردةُ أن تتلقَّفَكِ، أيّتها النّار، كما لو أنّكِ ماؤها الطّيِّب.
وطَنٌ كمثل كرةٍ في يد الليل.
ثمَّةَ عناقيدُ لهَبٍ، ومَجازِرُ عالِقةٌ في الهواء.
الجوُّ زفيرٌ أسود.
كأنَّما لا شيءَ يَثِقُ أنّه حيٌّ إلاّ الموت.
ألَكِ رأيٌ، أيّتُها الأنقاض، أيّتها الشّظايا؟
أتَشرّدُ فيك ــ لا أرى إلاّ أسلحةً تكتب الحياة،
ولا تقرأُ إلاّ العدم.
هل عليَّ، إذاً، لكي أبدو مُسالِماً أن أصلّي لصاروخٍ يَشقُّ أحشاءه؟
هل عليَّ أن أكونَ لطيفاً، وأن ألعبَ الغُولْف مع جنديٍّ قاتل؟
هل عليَّ أن أقولَ: الحربُ ملحٌ في اللغة العِبْرية،
والملحُ حربٌ في اللغة العربيّة؟
أيّها الصّفصافُ الخَجولُ، واصِلْ بكاءكَ وعلِّمْني:
الأرضُ كلُّها أسْيِجةٌ وحُرّاس ــ
هل أهربُ، هل أُواجِهُ، هل أستسلِم للقتل؟
ليس لي رايَةٌ لكي أسيرَ وراءها، أو لكي أُرَفْرِفَ باسمها فوق رؤوس المارّة.
حياتي قبرٌ محفورٌ في الهواء. والشّمسُ، هذه اللحظة،
تُشبهُ بقرةً ليست حَلوباً.
هل الوطن هو كذلك قبرٌ محفورٌ في الهواء؟
نِمالٌ إلكترونيّةٌ تُعَشِّشُ في الجهاتِ كلّها.
إن شِئتَ أن تقتلني، أعْطِني فرصةً أخيرةً لكي أرقدَ قليلاً
في أحضانِ قصيدةٍ لم تكتَمِلْ.
لم يتركْ بعضُهم كلمةً جميلةً إلاّ وصفَ بها حظّي. هكذا يسهلُ عليَّ الآنَ أن أجمعَ الكلمات القبيحةَ كلَّها، وأقذفَ بها في وجهِه.
حَظّي؟
قدَمٌ في القَيْد،
وقدَمٌ تقطرُ دماً.
لماذا يَطيبُ لي أن أصرخَ الآنَ، هذه اللحظة:
ما أجملَ الطُّرُق البطيئة التي
تجهلُها حتّى السّلاحِف.
لكن، لكن
لا أريدُ أن أعرفَ خِططَ الغيوم.
الغيوم؟ تصَدُّعاتٌ، شقوقٌ، تَداخُلاتٌ،
أشكالُ أنهارٍ بُحَيراتٍ تِلالٍ حقولٍ حُفَرُ
انهِدامٍ جبالٌ سودٌ بيضٌ رُقَعٌ تُبَقِّعُ ثوبَ
الفضاء «عِهْنٌ مَنفوش»...
إنّها الغيومُ الغيوم.
إنّه العصر.
إنّها سورةُ العصر!
اقرأوا الاسمَ والفعلَ، الفعل والاسم،
وانظروا:
كيف تَسفُلُ السّماءُ،
وكيف تَشمخ الأرض.
كُلُّهُمْ
خَذَلوكَ، وخانوكَ، لم يكْتَرِثْ نبيٌّ، ولم يَتَرَفَّقْ إلهْ،
آهِ، وا خيبتاهْ!
هِيَ ذي رغبتي: أن أُفاجىءَ نَبْضَ الفضاء،
وأن أغْسلَ الضّوْءَ. قُلْ لي
أيُّهذا الفضاءُ، متى ستجيئُ السّماءُ
وتَشهَقُ بين يدَيّ،
وتنزل في حَوْضِ حَمّامِها؟
أقول: الغَيْبُ، وأسأل: هل الغَيبُ تَغْييب؟ أهُو الإنسانُ ــ منفى للإنسان؟
أقولُ: الغيب، وأرى السّلامَ حرباً مُضمَرةً فيه، والتّوَحُّشَ يقود الكينونة،
والآخرةَ تبتكِرُ التّأخُّرَ.
إنّه اللاهوتُ ــ جسداً للنّاسوت:
هويّةً بلا هويّة،
فكراً بلا فكر،
لغةً بلا لغة.
موجةً موجةً
يتدفّقُ دمُ العالم.
زمنٌ ــ
رمحٌ صدئٌ يخترق رأسَ التّاريخ.
لغةٌ ــ
كلماتُها ذاتُها هي المَنفى.
الجريمةُ تلبس جيمَ الجنّة
وقافُ القمر يؤاخي قافَ القتل.
غداً، يفتتحون الكواكب
أسواقاً أسواقاً،
غداً يرجمون المَجَرّاتِ ويُرجَمون بها.
للّيل في نهارهم عجيزةٌ تَسَعُ السّماء والأرض،
للنّهار في ليلهم كرسيٌّ لا يتّسِع له الكَوْن.
للكتب التي يُمَجِّدونها
أنيابٌ وأظافِرُ، ألغامٌ وآلاتٌ.
وسوف يُقالُ غداً باسمها:
كانوا، وحدهم، قبلَ التّاريخ،
وسوفَ يكونون، وحدهم، بعد التّاريخ.
لكن، مَن هؤلاء؟
أدونيس

