ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

كنت نائماً حين جاءت الثورة

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة
ساري موسى
ساري موسى
الأربعاء 11 كانون الأول 2024
كنت نائماً حين جاءت الثورة
الخط


كنتُ نائماً عندما اندلعت الثورة، وكنتُ نائماً عندما سقط النظام. لكنِّي أصحو منذ ثلاثة أيام، عند الرابعة أو الخامسة فجراً، على وقع ارتجاج نافذة غرفتي بفعل غاراتٍ إسرائيلية، لا أجد في الأخبار أيَّ إشارةٍ إليها، إلَّا في اليوم الأوَّل، عندما استهدفت معبر العريضة الحدوديّ للمرة الثانية خلال أيام قليلة.
أنا شخصٌ متشائمٌ بطبيعتي، لا أرى إلَّا العيوب. لديَّ مشكلةٌ مثلاً مع الكأس إن لم تكن مملوءةً حتى «الشفَّة»، ولديَّ مشكلةٌ معها أيضاً إن كانت كذلك، لأنَّ المشروب سينسكب منها عندما تُرفع. «الفرح ليس مهنتي»، مثلما هي حال شاعري المُفضَّل، بل إنِّي أعتبر السعادة منحةً للجُهلاء والتفاؤل عطيَّةً للحمقى، حتى مع وجود أسباب موجبة؛ إذ يجب عند ذلك البحث عن أسباب التشاؤم حتى إيجادها، واختراعها ووضع سيناريوهات لمواجهتها إن لم تكن موجودة. أتذرَّع في مواجهة نقد طبعي هذا بأنَّ المبدع (عذراً، أعتبر نفسي مبدعاً!) يجب أن يظلَّ معارضاً للسائد، غير راضٍ عنه، ينظر إليه نظرة نقديَّة صارمة، كما يقولون.
سأشير إلى تصريحَيْن اثنَيْن من كل التصريحات الكثيرة التي أُطلِقَت في الأيام الماضية بخصوص ما يحدث في سوريا، وهما تصريحان لطرفَيْن خارجيَّيْن، مرتبطَيْن بقطع السلسلة التي تُوصِل إلى فلسطين وتؤثِّر في ما يحدث فيها؛ ففلسطين هي القضيَّة التي لا يختلف كلُّ ذي ضمير على عدالتها، والتي يبقى حبُّه لها «سرَّاً من أسرار هذا الكون، كإخفاقات الحُبِّ الأوَّل، كبكاء الأطفال الرُّضَّع عند الغروب» بحسب شاعري المُفضَّل أيضاً. ويُشكِّل الموقف الصريح منها (ومن «إسرائيل») أساساً في النظر إلى الطرف الذي يأخذ هذا الموقف ويُنفِّذه. ولن أتحدَّث، الآن وهنا، عن ملاحظاتي على الطرف الرابح وقادته وأقطاب فِرَقِه وداعميهم، فأنا لا أنوي أن أجرِّب على أظفاري أو لحمي (أو ربَّما عنقي!) إن كان النظام قد سقط بالفعل، أم تغيَّر فقط. ثم إنَّ الزميل بول مخلوف قال جزءاً كبيراً مما أردت قوله («الأخبار» 9/12/2024) في مقالته التي استخدم في مطلعها استعارةَ انمساخ غريغور سامسا.
بعد فرار بشار الأسد، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بكل صراحة، عن دور كيانه في ما حدث، عندما قال إنَّ «سقوط الأسد هو نتيجة مباشرة للضربات التي وجَّهتها إسرائيل لـ «حزب الله» وإيران». هذا صحيح قطعاً. كلنا نعرف أنَّ ما منع النظام من السقوط طوال ثلاثة عشر عاماً هو حلفاؤه الذين قاتلوا إلى جانب جيشه الفاسد والضعيف، بعدما جوَّع هذا النظام عن قصدٍ جنوده ورخَّصهم، ووضعهم في مواجهة أبناء شعبهم المطالبين بحقوقهم، إلى أن انتهوا إلى خلع بدلاتهم العسكريَّة ورميها في حاويات القمامة، في الأحياء التي كانت تُقدِّس هذه البدلات. لكن المستجدَّ أنَّ نتنياهو لم ينتظر لأخذ حصَّته من التغيير الذي «أسهم في تحقيقه»، بل شرع «جيشه» يقتطعها عبر التقدُّم داخل الأرض السورية، في قرى سفح جبل الشيخ التي أصدر تحذيرات لسكَّانها بالتزام بيوتهم وعدم مغادرتها، بالتزامن مع قصف وتدمير ما بقي من القواعد والمطارات العسكرية والدفاعات الجويَّة السورية. وتشير آخر المعلومات الصحافية إلى أنّ قوات الاحتلال أصبحت على مبعدة كيلومترات قليلة من دمشق.
أما التصريح الثاني، فكان لمبعوث إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الشرق الأوسط، عاموس هوكشتاين، الذي رأى الحدث السوري من الزاوية التي جعلت لسوريا وزناً أكبر في المعادلة الإقليمية، وجعلها مستهدفةً كذلك بالغارات الإسرائيلية والدعم الأميركي لمعارضيها، إذ قال بوضوحٍ وبساطةٍ أيضاً: «ما يحدث في سوريا يُشكِّل نقطة ضعفٍ جديدةٍ لـ «حزب الله»».
لكنَّ ما سبق لا يهمّ. إنَّه وقت الفرح والتفاؤل بالمستقبل والرقص في الشوارع! من كانوا يحتفلون بـ«تجديد البيعة للسيد الرئيس القائد المُفدَّى... إلى الأبد»، يحتلفون اليوم بسقوطه، ويدقُّون عنق تمثاله بالصرامي! ليس تغيير المواقف حكراً على «العامَّة»، بل إنَّ «الخاصَّة» و«النُّخب» يُغيِّران توجُّهاتهما أيضاً بـ«رشاقة» أكروباتيَّة، كما يُعبِّر عن ذلك الزميل أسعد أبو خليل. فنَّانون وإعلاميون ووجوهُ شاشات، «اكتشفوا»، هكذا، بين ليلةٍ وضحاها، ما أثار عجبهم وأخرجهم من الخداع الذي عيَّشهم فيه النظام السابق، وقرَّروا العودة إلى ما قبل الصباح الذي شهد انمساخ غريغور سامسا إلى صرصار ضخم. من بين هؤلاء مسؤول عن إحدى المؤسسات الإعلامية المحليَّة، الذي قال ما كان يرفض أن يُتَّهم به في السابق، من أنَّه كان من خلال ما ينشره، يُنفِّذ الأوامر التي زُوِّد بها من قِبَل أجهزة الأمن، وأنَّه يرجو المسامحة على سلوكه. اختفِ يا أخي! اختفِ فقط، من دون خطابات، كما فعل بشار الأسد تماماً. ما معنى تصريحك هذا؟ من أنتَ أصلاً؟ هل تظنُّ نفسك شيئاً؟ أم تعرض خدماتك على السلطة الجديدة كونك صاحب خبرةٍ طويلةٍ في ترديد ما يُراد منك قوله؟
لكنَّ المفاجأة الكبرى تمثَّلت في احتفال البعض في بيئة «حزب الله» بسقوط النظام، واكتشافهم المتأخِّر (مثلهم مثل المسؤولين الإيرانيين) أنَّ النظام كان ديكتاتورياً، وأن رأسه كان منافقاً وفاسقاً، أو في تخفيفهم من تأثيرات هذا السقوط على المقاومة في لبنان، واطمئنانهم إلى أنَّ طرق إمدادها بالسلاح لن تتأثَّر بما حدث! حقّاً؟ ألم يفعل النظام السابق شيئاً من أجلكم؟ ولا شي؟ طيّب ماذا عن احتمال استغلال التقدُّم الإسرائيلي داخل الأراضي السورية في فتح جبهةٍ من الشرق، تُضاف إلى الجبهة الجنوبية، في جولة القتال القادمة؟ هذا كان أحد السيناريوهات المطروحة في العملية البرية السابقة.
تُشبِّه بعض العقائد الدينية النَّفس بالقميص، الذي يُخلَع عن الجسد بالموت ويُلبَس على جسدٍ آخر عند حدوث التقمُّص. لكن هل يعتقد بعض الناس أنَّ بإمكانهم تبديل مواقفهم وارتباطاتهم متى شاؤوا خلال حياتهم؟ ألا يشعر هؤلاء بالغُربة عن أنفسهم عندما يفعلون ذلك؟ ألا يستشعرون كائناً غريباً يسكن بين أضلاعهم؟ تتبدَّل الأطراف السياسيَّة المسيطرة على الأراضي والحاكمة للبلدان، وتتغيَّر حدود البلدان نفسها، وحتى الشعوب تُهجَّر بالملايين وتطوف بحار العالم وتتكلَّم لغاتٍ غريبة، ثم تعود إلى وطنها... تحدث متغيِّراتٌ سريعةٌ يقف العقل أمامها حائراً، لكن، مهما حدث، ومهما بلغ مبلغ الغُربة، تظلُّ النفس داخل الجسد طوال الحياة، ويظلُّ المهمُّ أن يبقى الإنسان مرتاحاً مع نفسه ومنسجماً مع قناعاته، إذ «ماذا ينتفع الإنسان إن ربح العالم كلَّه، وخسر نفسه؟».

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك