مشاهد من دمشق في صباح «العهد الجديد»


ما حدث في دمشق ليس مشهداً هارباً من فيلم أكشن ولا مجرّد خيال يسرح في ذهن مؤلف، إنما حقيقة! بعد ليلة خرساء تماماً كانت فيها دمشق مدينة أشباح كأنّنا به صمت يسبق العاصفة، تحرّكت سيارات ودراجات نارية كثيفة عند الرابعة من فجر الأحد. مجرد التدقيق من نوافذ أي منزل في دمشق، سيتضح بأنّ هؤلاء عناصر جيش المؤسسات الأمنية وقد وصلهم القرار الآتي: لقد سقط النظام. اخلعوا بدلاتكم وارموا أسلحتكم وانجوا بأرواحكم... وهو ما حدث مع آلاف العسكريين الذين رموا سلاحهم في حاويات القمامة وخلعوا ملابسهم العسكرية، وركبوا ما تيسّر لهم من وسائل نقل وقصدوا أي ملاذ آمن. لقد خلى بهم الرئيس وهرب وحيداً مع عائلته، وطلب نقل السلطة بطريقة سلمية. لكن مهلاً، كيف تكون السلمية بعد قرابة 14 عاماً من الحرب، فيها ما لا يقل عن عقد من المعارك الطاحنة على اتساع الجغرافيا السورية حيث قتل وهجّر وغرق واعتقل وفقّر مئات الآلاف؟
بالفعل، ما هي إلا ساعات حتى أُعلن «التحرير» وانتصار «الثورة» لتبدأ بعدها موجة متواصلة من إطلاق الرصاص لم تتوقف حتى آخر الليل، بينما اندفع جموع من الناس، بعضهم لتدمير مباني المؤسسات الأمنية التي أمعنت في إذلال وترهيب السوريين على مدار خمسين عاماً، فكان الرد بتكسير وإحراق تلك المكاتب ونهب مقتنياتها، لكن ليس من المعتقلين اليساريين والمثقفين والمناضلين الحقيقيين، إنما من قبل مجموعة من المراهقين الغاضبين الذين استولوا على السلاح وراحوا يطلقونه بكثافة أدت إلى عدد كبير من الإصابات. الاحتفالات شوّش عليها إطلاق الرصاص العشوائي وحالات الفوضى والسرقة للممتلكات والتشليح وسحب الوقود من الآليات العسكرية والدبابات. في اليوم التالي وبعد ليلة موشّحة بالرعب، صار بإمكاننا التجوّل في دمشق!
أول ما سيخطر في بالنا أن نمرّ على الأفرع الأمنية. ترى ماذا كان يدور في أقبيتها؟ ما هي الأفكار التي تراود رموزها بعدما انهارت فجأة إمبراطورياتهم؟ كم قصة تستحق لها أن توثّق، وكم معتقلاً يشهد على حكاية مؤثرة؟ على أي حال، مهما كان السبب وكيفما كان، سيشعر أي إنسان ينتمي إلى الحريات والمدنية، بالارتياح لزوال هذه المؤسسات ولعلها تظل مختفية إلى الأبد، سيخطر في بالنا ونحن نقطع باتجاه ساحة الميسات والجسر الأبيض الأمن السياسي و«قسم الأربعين» المرعب!
ربما ما زال الوقت مبكراً على التفكير في تلك النقاط المظلمة المختبئة في ثنايا كل سوري. إنها الثامنة صباحاً والبلاد لم تعد معقل «البعث» رغم أنّ القيادة القومية أصدرت تبريكاتها بإسقاط النظام، فكانت مدعاة للسخرية على السوشال ميديا، ولن تمرّ حافلات المدارس نحو ترديد الشعار الصباحي وحصص التربية القومية. ربما ستركّز من الآن فصاعداً على حصص التربية الإسلامية طالما أنّ التلفزيون الرسمي يبثّ «أناشيد ثورية لفرقة أبناء الشهداء». ولم يحن موعد وصول الموظفين إلى مكاتبهم لتسيير شؤون البلاد. بعض تلك المكاتب والمباني أحرقه الزعران ونهبه المنفلتون والخارجون عن القانون وأعداء الأخلاق... الثامنة صباحاً وكأنها اللحظة المواتية لنتذكر كم حصدت تلك الحرب من أرواح المدنيين والأبرياء والفقراء...
من الجسر الأبيض مروراً بالطلياني وشارع الحمراء ثم المكان الأميز بمحاذاة مقهى الكمال والهافانا وجسر فكتوريا، الحركة لا تزال خفيفة وروّاد المقاهي غائبون. الوقت كفيل بعودتهم. وبالفعل بعد مضي وقت لا بأس فيه، ستتحسن الحركة ونصل إلى باب مصلى. سيكون المشهد الأبرز في دمشق اليوم أكوام القمامة باعتبار أن سيارات المحافظة لم تزلها منذ أيام، بينما يتولى المواطنون مهمة تنظيم السير عند التقاطعات الخطرة. وبعدما كانت أي لوحة سيارة ممهورة باسم محافظة إدلب تُعتبر بمثابة شبهة، تغيّرت الظروف رأساً على عقب، وصارت ميزة واضحة. سيّارات «هيئة تحرير الشام» من نوع واحد وبلون خاكي متعمد تتوزع في البلد ويتمركز بعضها في الساحات العامة، وعند المفاصل الحيوية من دون أن تتعرض لأحد أو توجه أي سؤال لأي شخص باستثناءات قليلة جداً، ومنها ما تعرّضت له الممثلة إليانا سعد عندما كانت برفقة أصدقائها الذي سأله أحد عناصر الهيئة عن ملّته، وقال له بأن فكرة الأصدقاء غير موجودة في دولة الإسلام وبأنّ المرأة تحتاج مرافقاً من عائلتها فقط! حكت الممثلة عن الموضوع علناً ليصلها توضيح واعتذار. عند باب نادي «المجد» الرياضي، ستتقصد مجموعة من المارين رفع شارة الشهادة أو النصر لمقاتلي الفصائل الذين يجتمعون هناك بينما ترتفع أصوات أغنيات «منشد الثورة» الراحل عبد الباسط الساروت... كل ذلك على وقع «التكويعات» الحادة التي أجرتها رموز احترفت تلميع السلطة، وفي ليلة وضحاها قررت مزاولة المهمة ذاتها لكن على ضفة نقيضة. ربما سيكون لهؤلاء شأن مجدداً لكن بمنطق مغاير...
للحظة ستسأل نفسك: ماذا يجري؟ وهل هذه حقاً دمشق؟! المدينة تكسي أبوابها السبعة بوشاح الحذر والترقب وانتظار العهد الجديد على أمل ألا يكون إسلامياً متشدداً يكتم على ما تبقى من أنفاس العباد!
