مَن يعرف حكاية الصبي من جافل؟
قبل 350 عاماً، وفي خضم حرب لصيد الساحرات استمرت لـ200 عام شنتها السلطات في السويد بتعاون وثيق مع الاكليروس الديني وذهبت ضحيتها آلاف النساء، ظهر في استوكهولم فتى في الثانية عشرة من عمره يدعى يوهان جوهانسون جريس آتياً من الأرياف، وبالتحديد من مدينة جافل الشم


قبل 350 عاماً، وفي خضم حرب لصيد الساحرات استمرت لـ200 عام شنتها السلطات في السويد بتعاون وثيق مع الاكليروس الديني وذهبت ضحيتها آلاف النساء، ظهر في استوكهولم فتى في الثانية عشرة من عمره يدعى يوهان جوهانسون جريس آتياً من الأرياف، وبالتحديد من مدينة جافل الشمالية، حيث اكتسب شهرة بعدما أودى بأمه إلى حبل المشنقة.
ادعى الصبي أن والدته أخذته إلى أرض السحرة، حيث دخلا في احتفال ماجن مع الشيطان. وبعد عودته من هذا المكان الشرير، أبلغ السلطات بشجاعة وثبات بما حصل له، فحكم على الوالدة بالإعدام بتهمة تعاطي السحر، إذ كان الكرسي الرسولي في السويد يلقي باللوم دائماً على فشل المحاصيل ومرض الماشية وكل المصائب العامة على السحرة، وعزمت السلطات على تحرير البلاد منهم.
لقد كانت تلك حكاية مثيرة لخيال كثيرين، عزّزت مصداقية رجال الحكم والدين، وأكسبت الصبي شهرة لا بأس بها، وغمره المؤمنون بالمكافآت قبل أن تطلب السلطات نقله إلى العاصمة. هكذا أصبح يعرف باسم «الصبي من جافل»، واعتبر خبيراً عالماً في جميع مسائل السحر ومرجعيةً لقياس مزاعم الآخرين بعلاقتهم بأرض السحرة يستدعى لحضور محاكمات النساء المشكوك في أمرهن، فأرسل ـــ طوال سنوات ـــ بالعشرات منهن إلى نهايات مروعة، بينما يضج جمهور العوام بالتصفيق لأحكامه القاطعة استبشاراً بزوال مآزق الأمّة.
لعلّ مما زاد من مصداقية الصبي من جافل أنّه لم يكن يطلب مقابلاً لخدماته، فهو أخبرهم أنّه لم يأت من أقصى الشمال إلى العاصمة إلا لنصرة هذا الدين، وتحرير هذا البلد من السحرة.
كان من بين سكان استوكهولم الذين فتنوا بالصبي من جافل وحكايته، فتاة مراهقة طموحة تدعى ليزبيث كارلسدوتر، تابعت كل مآثره، واستمعت إلى كل شهاداته، وحلمت حتى بالزواج منه. وبعدما أدركت طبيعة اللعبة، بدأت هي أيضاً في اتهام النساء بالسحر: أمها وخالاتها وعماتها، وفي النهاية أيّ سيدة على الإطلاق، وقالت إنهن جميعاً ساحرات، اصطحبنها لمعاشرة الشيطان، لتشتهر بدورها بعدما شعرت السلطات بالقلق من اتساع نطاق انتشار الممارسة بين الناس العاديين، فاعتمدت خدماتها أيضاً، إلى جانب الصبي من جافل، ليصبحا معاً بمثابة تهديد لا يمكن رده على حياة الإناث في السويد.
كان لـ «ليزبيث» ضحايا كثيرات، فزادت ثقتها بنفسها إلى حد أنها تجرأت على اتهام ماريا صوفيا دي لا غاردي بتعاطي السحر. على أن لا غاردي لم تكن أي امرأة، بل واحدى من أثرى أثرياء البلاد، ومكلفة شرفيّة بأردية الملكة السويدية كريستينا. لكن ليزبيث أصرت: «نعم، إنها ساحرة»، «وكذلك ابنة عمها الكونتيسة بالاتين من زويبروكن» التي كانت من السلالة الحاكمة في السويد وخالة للملك. وأضافت ليزبيث: «كلاهما أخذني إلى أرض السحرة السوداء».
كان رد فعل الطبقة المخمليّة في المجتمع السويدي حاسماً وسريعاً: «هذا محض هراء». لم يصدق أحد أن الكونتيسات أو سيدات السلالة الحاكمة أو النساء الثريات يمكن أن يتعاطين السحر الذي لطالما بدا أقرب إلى شيء تختص به الطبقة العاملة. لقد ذهبت ليزبيث بعيداً هذه المرّة، وفقدت مصداقيتها، وبدأت السلطات المحلية تتساءل عن مدى موثوقية هؤلاء الشهود الأطفال الذين تستعين بخدماتهم لحلّ مصاعب الأمة.
بدأت قضايا الاتهام بتعاطي السحر بالانهيار. لقد تبين في النهاية أن الصغار هؤلاء كانوا طوال الوقت مجرد كذابين كسولين استمتعوا بحياة الشهرة. وتحقق الأسوأ عندما استُدعي الصبي من جافل للمساءلة، ليعترف بكل وقاحة: «لقد كذبت». أقرّ بتقديم شهادات زور ضد العديد من النساء، بمن فيهن والدته، بينما كان يعلم تماماً أنهن كن بريئات. وادعى بأن دافعه للكذب كان لكونه ساحراً. وهذا اعتراف كان عقابه الاعدام وفق القانون السائد. أمر لم يقاومه الصبي من جافل الذي قال للقاضي: «نعم، هذا ما يجب عليك فعله». وهو ما حصل بالفعل، لتلحق به ليزبيث وعدد من الأطفال الآخرين الذي استمرأوا اللعبة القذرة وتورطوا في القتل.
اجتمع رجال السلطة والأكليروس (في العام 1677) لمناقشة الأوضاع بعد هذه الكارثة، واتفقوا على إصدار إعلان رسمي عن نجاح السلطات في استئصال كل السحرة على الإطلاق، وأن هذا الانجاز العبقري قضى على فرص ظهور ساحرات جديدات في المستقبل. وهكذا أطلقت السلطات سراح جميع النساء اللواتي ينتظرن المحاكمة، وعلّقت قوانين شنق الساحرات، وأغلقت الصفحة الملعونة إلى الأبد.
مدينة جافل اختارت بعدها ماعزاً كرمز للصبي الذي منحها الشهرة. ويبني سكان المدينة في كل عام تمثالاً ضخماً لماعز من القش، ومن ثم يشرعون بصدمه بسياراتهم، وضربه بأحذيتهم، والبصق عليه، ويحاول بعضهم حتى اشعال النار فيه إلى أن يتحطم تماماً وتذروه الرياح، كي لا تجرؤ روح الصبي المسمومة من العودة يوماً إلى مدينتهم.
