جاد الحاج خلف البحر تترامى المدن والكلمات
لم ينزل الشاعر جاد الحاج (1946-2024) من قطار الصدفة أبداً. بل ظلّ يتنقل بين حافلاته ومقصوراته مستمتعاً مرة ومندهشاً مرات وممتلئاً بالمرارة غالباً.


لم ينزل الشاعر جاد الحاج (1946-2024) من قطار الصدفة أبداً. بل ظلّ يتنقل بين حافلاته ومقصوراته مستمتعاً مرة ومندهشاً مرات وممتلئاً بالمرارة غالباً. منذ أن نزل ذات مرة إلى ميناء صور وتسلّل إلى داخل سفينة راسية مسّته المغامرة وتملّكه عشق السفر وعشرة الآفاق والمدن المترامية على المتوسط (أثينا وقبرص) وصولاً إلى أوروبا وأستراليا. صارت كلماته وقصائده تشبه ذلك السفر الفوضوي المختلف. ماذا كان يرى عن بعد؟ وماذا خلف لعبة الإقامة والرحيل في حياته؟
ولد جاد الحاج في قيتولي (جزين ـ جنوب لبنان) ودرس في مدارسها المحلية. ثم انتقل مع والده ووالدته للعيش في مدينة صور، وبعدها إلى سرعل في الشمال. كان قريباً بالنسب العائلي إلى الشاعر أنسي الحاج. وكان كذلك قريباً من مجلة «شعر» وأركانها وخصوصاً الشاعر يوسف الخال. وإذا كان في زيارة لبنان، كان يحرص على أن يسأل عنهم جميعاً وأن يزورهم إذا تيسّرت الظروف. هو من جيل شعراء السبعينيات الشعري. وكان صديقاً لسركون بولص وصلاح فائق ووديع سعادة وغيرهم. من آثاره في الشعر: «قطار الصدفة» و«26 قصيدة» و«الكتاب الثالث» و«واحد من هؤلاء» و«عندما وأخواتها». لم يخل شعره من القلق المضني. كان يرسم عباراته دائماً بلغة صافية ومشدودة. كتب الشعر تحت وطأة الألم والحزن أثناء الحرب اللبنانية. لم يكتف بالشعر، بل كتب الرواية والقصة والحكاية. وأصدر في الرواية «الأخضر واليابس» وأهداها إلى أهالي قيتولي. رواية عن الحرب الأهلية اللبنانية حلّل فيها أسبابها وظروفها ونتائجها، مستبعداً التفسير الطائفي. ثم أعاد كتابتها بالإنكليزية بعنوان «شجرة الحنبلاس» وأهداها إلى صديقته إليزابيث. وكتب في الرواية أيضاً «عذراء الصخور» و«مهرجان»، وفي الحكاية والقصة «ثلاثون حكاية». عمل لمدة في جريدة «النهار» وكتب المقالة والتحقيق والتقارير. كما كتب في جريدة «الحياة» وكانت مواضيعه تحمل نكهة السفر والجديد والدروب التي لا تنتهي. لبث متحمّساً للكتابة والضحك من الحياة ومن مفارقاتها الساخرة.
في سنواته الأخيرة في أستراليا، ترك بصمات المشاركة في النشاطات الثقافية المتعلقة بالجالية اللبنانية والعربية. حتى إنّه كتب نصاً مسرحياً بعنوان «يطير الحمام يحط الحمام» عُرض في «ملتقى المسرح» في سيدني. كما شارك في عدد من مهرجانات السينما في العالم وكتب عنها. ظل يكتب على الورق رافضاً الكمبيوتر. قال: «صمدت 15 سنة في وجه الكمبيوتر ثم خسرت بالنقاط». كان يحلو له أن يقلد صوت الشاعر سعيد عقل حين يداعبه بالقول «كيفك يا جاد العظيم؟». لم يستطع المرض أن ينال من ابتسامته ولا من لهفته على الحياة. ولكن في الأيام الأخيرة، راح ينكفئ على وجع مسنون. يقول في إحدى قصائده: «دعوني أخرج/ دعوني أعدّ الأبواب الموصدة». ولكن من يمتلك روحاً مرهفة مثل روح جاد الحاج، لا تقفل في وجهه الأبواب أبداً. فمن يقوى على مغالبة النسيم أو الصراع مع الحلم؟.
