جوزف طرّاب طوى زمن بيروت السعيد


خسر النقد التشكيليّ في لبنان اسماً بارزاً، لامعاً، وإن باللغة الفرنسية مع رحيل جوزف طراب (1943-2025) في أول يوم من السنة الجديدة، بعد عقود أمضاها في الكتابة لمصلحة صحيفة «لوريان لوجور»، فضلاً عن مشاركاته المسرحية ممثلاً مع روجيه عساف وجلال خوري وبرج فازليان وآخرين، ومخرجاً لمسرحية بولندية من النوع العبثي للكاتب فيتولد غومبروفيتش قدمها عام 1967 وتميّزت بحيوية إخراجها واستخدام الأدوات المسعفة للنص الذي منحه في الاقتباس عنوان «مزحة كئيبة».
في بداياته، مارس طرّاب أيضاً النقد السينمائي، وأنجز بعض الأبحاث الفنية المطوّلة التي ترتكز على ثقافة واسعة وشاملة، إذ كان قارئاً نهماً وامتلك مكتبةً ضخمةً قدّم جزءاً كبيراً منها، قبل رحيله، إلى «جامعة الروح القدس ــ الكسليك». وكان جامعاً للوحات غطّت جدران منزله، وقد باع عدداً منها بعد اعتزاله الكتابة لتأمين متطلبات حياته في مدة التقاعد التي أمضاها في منزله في منطقة جونية، بعدما اضطر عام 1985 إلى مغادرة منطقة رأس بيروت، ملعب طفولته وشبابه وحرفته النقدية والصحافية. هو أيضاً «آخر اليهود» في لبنان، أو من آخرهم، رفض مغادرة لبنان، قائلاً إنّه لم يستغنِ يوماً عن بحر بيروت وشمسها ونورها، وظلّ يشعر بانتمائه إلى لبنان.
ولد جوزف (جو) طرّاب في بيروت، وعاش مع عائلته في «شارع جوستينيان» حيث كان يسير منه طفلاً إلى مدرسته في «كوليج دو لاسال» في «شارع جورج بيكو». عاش الحقبة الذهبية في حياة بيروت الكوسموبوليتية، الغنية، المتسامحة، التي كانت تغلي بالحياة الفنية والفكرية والثقافية. ورغم أنه درس في شبابه الاقتصاد وعلم الاجتماع والفلسفة بين بيروت وباريس حيث أقام نحو خمس سنوات، إلا أنّ حكاية مثيرة أعادته إلى بيروت ناقداً تشكيلياً عقب مقال كتبه عن رسّام لبناني فطريّ غير أكاديمي يدعى محمد صقر كان نجّاراً وغطّاساً وصاحب شخصية ضاحكة وطريفة، شاء أن يقيم معرضاً للوحاته (كلها مستلهمة من عالم تحت الماء) في باريس. لكن ثورة 1968 الشهيرة أجهضت الحدث، إذ لم تُوزّع الدعوات وأمّت المعرض قلّة نادرة من الزوار. هنا شعر طرّاب بأن هذا الفنان ظُلم، فقرّر أن يكتب مقالاً عن لوحاته أرسله بالبريد إلى صحيفة «لوريان» في بيروت. يقول طراب إنّه اكتشف عبر هذا المقال أنّه يحسن قراءة اللوحة الفنية مثلما كان يقرأ قبلها الصورة السينمائية. ولدى عودته إلى لبنان، كلّفه جورج نقاش، ناشر صحيفة «لوريان» بتولّي تحرير ملحق للصحيفة متنوّع المادة، وانطلقت مذّاك مسيرته ناقداً فنياً وتشكيلياً في شكل خاص.
عاش طرّاب في زمن الرسامين الكبار، من بول غيراغوسيان وشفيق عبود وحسين ماضي، واشتهر بعينه التحليلية والثاقبة والدقيقة للوحة التي كان يقف أمامها مدوّناً ملاحظاته وانطباعاته حولها أسلوباً ومضموناً، لكي تكون مدوّناته ركيزة مقالاته الاحترافية والموضوعية. وما كان ــــ باعترافه ـــ يصادق الفنانين إلا بعد كتابة المقال الأول عن الفنان. أنجز مؤلّفاً قيّماً عن الفنان الكبير الراحل بول غيراغوسيان، وعشرات الدراسات الفنية القيّمة باللغة الفرنسية، وعدداً من مقدمات الكتب لكتّاب آخرين. وقد أعطى مقالاته وبعض دراساته لـ «المكتبة الشرقية» كي تحفظها وتؤرشفها إلكترونياً.
من الأفكار المثيرة للاهتمام التي عبّر عنها طرّاب أنّ التشكيليات اللبنانيات يتفوّقن في بعض النواحي على الرجال، إذ يتمرّدن في أعمالهنّ على القيود التي تكبّل حريتهن، وهن يملكن أساليب خاصة مبتكرة وفريدة في رأي الناقد الراحل الذي يبقى علامة مضيئةً في دنيا النقد والثقافة، والرقيّ الذي ميّز زمن بيروت الذهبي.
