أحمد حاذق العرف... الغفوة الأخيرة
قبل ساعات من توديع سنة 2024، رحل الناقد أحمد حاذق العرف (1950)، الملقب بـ«الإمبراطور»، وفقد «شارع الحبيب بورقيبة» القلب النابض للعاصمة التونسية، إحدى أبرز وأطرف الشخصيات الثقافية التي أثرَت المشهد التونسي على مدى أكثر من خمسين عاماً.


تونس | قبل ساعات من توديع سنة 2024، رحل الناقد أحمد حاذق العرف (1950)، الملقب بـ«الإمبراطور»، وفقد «شارع الحبيب بورقيبة» القلب النابض للعاصمة التونسية، إحدى أبرز وأطرف الشخصيات الثقافية التي أثرَت المشهد التونسي على مدى أكثر من خمسين عاماً.
جاء العرف إلى العاصمة من قرية «البئر الأحمر» في محافظة تطاوين في الجنوب الشرقي التونسي لدراسة التمثيل، ولكنه سرعان ما احترف الصحافة وأصبح صوتاً للثقافة المستقلة والإعلام الحر. تعرض للنفي داخل بلاده ونُقل إلى محافظة مدنين في الجنوب مطلع السبعينيات، ومنع من دخول العاصمة بسبب مواقفه ومقالاته المعارضة للسلطة. رغم أنه لم ينتمِ إلى أي حزب أو منظمة باستثناء «الاتحاد العام التونسي للشغل»، حيث شغل منصب رئيس تحرير جريدته الرسمية «الشعب»، إلّا أنّه كان دائماً في صف المعارضة الثقافية، مدافعاً عن العمال والطلبة والحركات الحقوقية والديموقراطية.
اختار العرف العيش على الهامش، بعيداً من السبل التقليدية، وكان رفيقاً للمنشقين ومصدر إلهام للمثقفين المستقلين. قضى حياته بين المقاهي والحانات والمطاعم، حيث اشتهر بسخريته اللاذعة، خصوصاً من الشخصيات الثقافية الرسمية و«زعماء» اليسار والنقابات. رغم عصاميته، أثبت العرف حضوره البارز في المسرح والسينما والأدب، ونال احترام كبار الأكاديميين في تونس بفضل ثقافته الواسعة وإلمامه بآخر نظريات النقد الأدبي والفني. في الثمانينيات، وخلال أصعب فترات الانغلاق السياسي، أصدر ملحقاً ثقافياً لجريدة «الشعب»، ثم ملحقاً فكرياً في التسعينيات، ليخلق فضاءً للثقافة المستقلة. لكنه دفع ثمن مواقفه الجريئة عندما طُرد من عمله بسبب أزمة بين اتحاد الشغل وحكومة محمد مزالي (1981-1986)، وعاش سنوات من دون عمل، ولكنه ظل متمسكاً بمبادئه. كان العرف شخصية بارزة منذ بداياته، وفاعلاً في حركة «الطليعة الأدبية» التي ظهرت بين أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، داعية إلى تثوير الخطاب الثقافي. رافق تجارب مسرحية وسينمائية مهمة، منها أعمال علي بن عياد ومنصف السويسي وفاضل الجعايبي، إلى جانب مشاركته في «أيام قرطاج السينمائية والمسرحية» و«مهرجان قرطاج».
ورغم عطائه الغزير، لم يهتم بالنشر كثيراً، إذ أصدر كتاباً يتيماً هو «المسرح التونسي وعوائق التجاوز» (دار الجنوب، تونس، 1995). وتولت وزارة الثقافة لاحقاً جمع أعماله الكاملة في ثلاثة مجلدات أعدها الباحث محمد المي عام 1998. عاد أحمد حاذق العرف أخيراً إلى قريته الصغيرة النائمة في مشارف الصحراء، لينام فيها للمرّة الأخيرة بعد طول غياب. وبرحيله، تخسر تونس مثقفاً ألمعياً لم يجاره أحد في تجربته الثقافية والصحافية.
