جاد الحاج... صديق الغربة الطويلة
أربعون يوماً على رحيل جاد الحاج


الكثير ممّا قيل في الشاعر والروائي والصحافي والناقد الراحل جاد الحاج، لكن ما زال قليل. منذ تكوّنه الأوّل، منذ تفتّحه الأوّل، منذ يفاعته، منذ اندفاعته الأولى صوب الحياة، كلبناني - جنوبي ـ من بلدة أيتولى ـ جزّين ـ رأى إلى الحياة بوجوهها كافّة، وإن يغلب فيها جمال لبنان، بخضرته وجباله وحقوله وأنهاره وطيوره وزهوره وغنى مشارب أبنائه وثقافاتهم العميقة في التراث والتاريخ، رأى من ناحية ثانية كثرة فساد نظامه وارتهان أكثر قياداته أو زعاماته، ورأى تخلّفه الإداري، الصناعي والزراعي. أقبل الحاج على صهوة الأحلام وفي آن بالعتاب من واقع الحال الذي باعتقاده الراسخ من المحال أن يظلّ على حاله ولا بدّ من العمل إلى تسريع تغييره.
وفي حواره ضمن برنامج «نقطة ـ فاصلة» مع الإعلامي الشاعر حبيب يونس، الذي أطلق عليه اسم «السندباد» لكثرة ترحاله في أنواع الأدب والكتابة، قال الحاج «لا» بوجه الفوضى، وبأنّه وجد ذاته فجأة موقوفاً من قبل أجهزة أمن الدولة التي تريده، كما تريد كلّ لبناني، أن يقول «نعم» فقط ـ كما في أغلب البلدان العالمثالثيّة، وبمشيئة مباشرة بفعل الارتهان إلى بلدان المركز الاستعلائي الذي ابتنى على المواطنة والرفاه لشعوبه وحرّمها بالثلاث على أكثر شعوب الأرض. وجد له منفذاً أن لا يُهان وأن يُطلَق سراحُه ليدخل من فوره معترك الكتابة في صحافة لبنان ذلك العصر والأوان ولتبدأ رحلة «السندباد» وليكون ما قاله فيه الشاعر عقل العويط: «جاد شاعر الترحال والمنافي والحبّ والسخرية العابثة والمرارات والإنكسارات».
في غربته الأستراليّة ـ ثمانينات القرن الفائت ـ التقيته، كان دائب الحركة، قلقاً، وكانت سيدني بأجمل حلّتها ولا تزال، فيما الجالية العربيّة وعمودها الفقري، الجالية اللبنانية،هي كما في الأوطان الأمّ في دروب متعاكسة وأهواء متناقضة أو متنافرة وفي تنافخ فوق رمال متحرّكة.
نظر إلى الصحافة العربيّة المهجريّة في سيدني، وعلى رغم تضحياتها وجرأتها، وجد أنّها أكثر في النقل عن صحافة الأوطان الأمّ وأكثر في الاجتماعيّات وأخبار الأفراح والأتراح منها إلى الإعلام المحترف، ونظر إلى المؤسسات الأدبيّة، ولا حاجة للتسمية، فإذا بها لا تزال في زمان التقليد والإحياء، ونظر إلى الشعراء والأدباء والفنانين عموماً فإذا هم على صورة مؤسّساتهم. حتى قال أخيراً: «لا عطاء إبداعيّاً ممّن لم يمرّ ببيروت»، قاصداً لا عطاء إبداعيّاً ممّن لم يغتني من حداثة بيروت وصحافتها وثقافتها المدينيّة المنفتحة والعميقة. يومها قامت الدنيا عليه ولم تقعد.
افتتح جاد مطعماً مع المسرحي نجم قزّي خرّيج المسرح اللبناني الحديث بريادة الفنّان القدير منير أبو دبس، وكان يعرض فيه إلى جانب الوجبات التقليديّة اسكتشات مسرحيّة ومسرحيّات منها «محاكمة بيّاع اللوز»، «طار الحمام غطّ الحمام»، و«مهاجر برزبن»، والأخيرة هي للكاتب جورج شحادة، كا قدّم قراءات شعريّة وكتباً جديدة. ثمّ عاد إلى جولاته حول العالم. هو يوماً في اليونان وقد سبق وأسس فيها سلسلة كتب الجيب «عبير» ودار نشر «سارق النار» مع صديقه الشاعر الراحل أيضاً سركون بولص، ويوماً في لندن كاتباً في جريدة الحياة، ويوماً في فرنسا حيث مهرجانات «كان» السينمائيّة، ويوماً في المغرب أو تركيا أو السويد أو الدنمارك.. ويوماً في لبنان ثمّ في أستراليا ودواليك.
أخيراً أسلم الروح في الوطن لبنان - الرحم الأوّل والحضن الأوّل والحبّ الأوّل ـ تاركاً إرثاً في حقول أدبيّة وفنيّة متعدّدة من «قطار الصدفة» و«26 قصيدة» و«واحد من هؤلاء» إلى «الأخضر واليابس» و«ثلاثون حكاية» و«مهرجان»، بالإضافة إلى مسرحيّات وكلمات أغنيات لحّنها كثر منهم وليد غلميّة وفؤاد حرّاقة وشربل روحانا وغنّتها عبير نعمة وآخرون. على أمل جمع إنتاجه الشعري والنثري في أعمال ورقيّة كاملة يُحتفى بها وبه كما يليق.
يا صديق الغربة الطويلة أقول: وداعاً.
